شريط

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

15‏/7‏/2025

شراب المخلّم


الوادي الفياض من طرائف نوبة عياض ج2

شراب المخلّم


وروّح عوض بعروسته العدنية إلى داره في القرية في نصف شعبان. إنها اختيار والدته التي أصرت أن تزوجه على بنت اختها: "هندية حسينة وحلا وبيضا تسرج كما القمر".
وقضت العروسة نصف شعبان المتبقي مدللة، لا تتركها خالتها حتى تغسل كوباً، فبقيت أظافرها سليمة من التقصف .. لتقصف عمر عريسها عوض.
وجاء رمضان والعروسة لم تجرَّب في المطبخ. في اليومين الأولين منه طبخت فطار لزوجها السمبوسا والباجيا والشربا والعشاء رز (برياني) .. وجاءت عمتها بالحقين وكان عوض يصبّ على الرز حقيناً ويشرب من الطاسة فلكأنه من مهجوي الأخطل.. وفي اليوم الثالث جاءها عوض بناصفة حَب وقال: "يا انسانه بكره باش تصلّحي لنا (مخلّم) ولقاها الكيس ..
حنبت العروسة وما فهمت قصده. اتصلت بأمها تسألها:"صُلُو الموخلام يا ماما؟ زوجي جاب لي طعام يشتينا أصلح لو موخلام؟" أجابتها: " ايوه هذا الحب يطحنونّو .. أصبري أصبري مدري من يدق الباب .. روحي لخالتك بتفهمك" قالت: خلاص فهمتو يا ماما فهمتو ..
وفي اليوم الرابع طبخت البرياني .. عاد عوض من السانية وبيده خمسة رؤوس بقل فتوح سَواد ولقّاها .. وحان وقت العشاء ، فقربت الحلا البرياني والبقل والبسباس وسكبت .. والرجال منتظر يشوف الجعبة .. قال: هاتي المخلّم ؟ وين المخلّم؟ أجابت: مرحبا حبيبي، هلّو هلّو .. وقرّبت الدست وسكبت له ملا قلص .. ظانة أنه سيسكبه على الرز مثل الحقين . تساءل مستغرباً: أيش هذا ؟ قالت: الموخلام ..
حميت طاسة عوض ومسك العروسة وربطها في صرف السرير في الدكة، وراح يجيب قرطة "بايعشّيها" .. وهي تصرخ: يا خالا .. يا عمّا .. ألحقيني .. رشعت خالتها الجدار وغارت عليها. وبعد معرفة الحكاية قالت: يا ابني مرتك هندية مسيكينة الله شو درّاها بالمخلّم والنوافي .. اللبج هو لأختي اللي ما علمتها .. هذي مسيكينة مش لها ذنب ".. وجاءت له بمخلمتين من الجيران وتعشى وهو يقول: قد قلت لش يا ماه باشل بت سالم بو كدرة، قلتي لا تباي بت أختش ..
وكلما أكل كسرتين قال ضاحكاً : شرااب المخلم .. صدقت بنت شوفه ليلة غنت :
من تزوّج من الأندوم قده في عيونه * يشلّ له من بنات البلد حتى ولو هي زبونه
شراب المخلّم .. ها !
.
---------------------
• المخلّم: كما في الصورة، أحد أنواع الخبز يخبز في الموفى ويؤكل مع الصانونة والحلبة والسمك والبقل.
• الأندوم: المنسوبون إلى الأندومي، طعام العصر الحديث. زبونة: غالية جداً.

5‏/7‏/2025

عشاق الشريفات

دراسة مقارنة بين الشاعرين عمر بن أبي ربيعة واللورد بايرون


في نوفمبر 1998 نال الأديب الناقد (جمال السيد) المحاضر في الأدب الإنكليزي بجامعة عدن، درجــة الماجستير على دراسته المقارنة التي عقدها بين الشاعرين الكبيرين: الأمـوي(عمر بن أبي ربيعة) زعيـم الغزلين في الشعر العربي، والإنكليزي (لورد بايرون - Lord Byron)،صوت الرومانسية، في كل أوربا في القرن التاسع عشر. وتعـد هذه الدراسة أول دراسة في الأدبين الإنكليزي والعربي، وأول أطروحة في الشعر الإنكليزي والأدب المقارن بجامعة عدن . وقد تفرّدت الأطروحة في موضوعها وفي تناولها لنقـاط جديدة جديرة بالبحث لم يطرقها أحد من قبل، إضافة إلى تمّيزها كأول دراسة أكاديمية تفصيلية في هذا المضمار. ولطرافة الدراسة وجدّتها أجرينا هذا الحوار.

       حـــاوره : عبدالواحد محمد عبدالله   


◘ أولاً دعنا نسألك كيف جاءت فكرة المقـارنة ؟

الفكرة ليست جديدة. لمس بعض النقاد العرب بعضاً من أوجه الشبه بين الشاعرين في الشخصية وفي الوضع الاجتماعي ، وقليلاً في موضوع الشعر؛ ذلك أنهم لمسوا من موضـوع الشعر جانبـاً واحـداً وهو أن كلا الشاعريـن تغــزلا كثيراً بالمرأة ، وهما يتشابهان في جمال الطلعة والمنشأ الأرستقراطي ، وفي علاقاتهما الصارخة بالمرأة . هذا كل ما لمسه النقاد وقالوه وهو قول ثناهم عنه المتمشرق (جب Gibb) في كتابه: "مقدمة في تأريخ الأدب العربي"( بالإنكليزية )، ورأى المتمشرق(جب) أن الأجـدر هو تشبيه ابن أبي ربيعة بـ ( روبرت هرك R. Herrick ) ، أحد شعراء البلاط الإنكليزي في القرن السابع عشر. وكانت نظرة (جب) أن لكليهما شعر كثير في المرأة وغنائيات عذبة في وصف مفاتنها. ومن الأدباء العرب الأديب السوري الأستاذ (سليمان الخش) الذي رفض المقارنة بين عمر وبايرون في كتابه "مقتطفات من الأدب الإسلامي والأموي". هذا كل ما قيل وكتب عن إبن أبي ربيعة وعن مقارنته ببايرون . وليس هناك دراسة أكاديمية تفصيلية غير دراستنا. ولتخصصي في الأدب الإنكليزي ومعرفتي للشاعر بايرون معرفة حقّه من خلال شعره قبل سيرته الذاتية ، ولمحبتي لعمر  كصوت شعري متميز في فن الغزل العربي ، فقد وجدت أن ما قاله النقــاد العرب والأجانب لا يعدو عن التقاط ملامح ضئيلة من أوجه الشبه الكبيرة والكثيرة بين الشاعرين . وقد استهوتني الفكرة وأسرني العناد فوضعت الأطروحة مبرزاً التقاء الشاعرين في نقاط شبه كبيرة وكثيرة تتجاوز الشخصية إلى ما تتسم به ، وتتعدى موضوع شعرهما الغزلي في المرأة إلى موقفهما العدائي الانتقامي منها ، وتبيان أسباب ذلك .وتضع الأطروحة الشاعرين قبالة بعضهما كمجددين في الأدبين العربي والإنكليزي ليس في موضوع حب المرأة بل وحب الطبيعة أيضا. وأبعد من ذلك تفرّدهما في فن الهجاء. وما كان لأحد قبل هذه الدراسة أن يقـول بأن لإبن أبي ربيعة شعر في الهجاء. وهذا هو الجديد في الدراسة ؛ وبذلك تعتبر أول أطروحة في الأدب العربي ، وفي الشعر الإنكليزي المقارن بجامعة عدن

◘ هذا جهد كبير، يعني كان عليك الإلمام بالأدبين العربي والإنكليزي، وكانت معظم إستشهاداتك - كما قرأت وكما ذكرت أنت- من شعرهما أكثر من إعتمادك على سيرتهما الذاتية فكيف قدرت على ذلك كله،ناهيك عن تحملّك عبء ترجمة شعر عمر الى الإنكليزية؟ وهل واجهتك صعوبات؟

درس الأدب المقارن يتطلب حنكة ومراس وخبرة كافية بسرّ القصيدة سواء كتبت باللغة العربية أو باللغة الأخرى ، وهذا لا يتأتى دون الإدراك التام والفهم الوافي للغتين معاً وإلا سقط الاستشهاد وتناقضت الفكرة مع الفكرة المقابلة .وما كانت ترجمتي لشعر عمر إلى الإنكليزية موفّقة جميعها بل أخفقت في ترجمة بعض الأبيات، ولكني تغلبت على ذلك بتعاون المشرفين وهما خبيران في الأدبين الإنكليزي والعربي ومتخصصان فيهما؛ فالمشرف على الجانب الإنكليزي في الأطروحة كان شاعراً هندياً معروفاً وأكاديمياً مشهود له في عموم الهند ويدعى:( B. T. Desai )، وأشرفت على الجانب العربي كاتبة وأديبة هندية مسلمة ومحاضرة في اللغة العربية هي ( عصمت مهدي ) من مؤلفاتها: "الأدب العربي الحديث" باللغة الإنكليزية قدمه لها الشاعر صلاح عبدالصبور. كان هذان العلمان مرجعاً لي عند كل عثرة. وقد وجدت في المعهد المركزي لتعليم اللغات الأجنبية CIEFL بحيدر آباد كثيراً من المراجع المطلوبة للبحث في حياة وشعر بايرون ، وفي مكتبة (الجامعة العثمانية) أهم ما يتعلق بابن أبي ربيعة وخاصة ديوان شعره وكتاب جبرائيل جبّـور عنه ، ولكني اعتمدت على استنطاق النص الشعري عن حياة الشاعرين دون التعويل بشكل أساسي على سيرتهما الذاتيه في كتب الأدب ، تجنّباً لتضارب الأقوال والروايات ليس عن حياة عمر - وإن كثرت - بل وعن حياة الشاعر الانكليزي . ثمّ أن ترجمتي لبيت الشعر الإنكليزي إلى العربية لم تكن ترجمة شعرية بل نثرية paraphrasing)) .

  الهجاء بالغزل

◘ إستنطاق النص ليس بالأمر الهيّن، وهي طريقة قلّما يتقنها ناقد؟‍‍‍‍‍

أنت تعرف أني قبل أن أكون طالب دراسات عليا أنا محاضر في الأدب الإنكليزي ، وأديب ، ولي دراسات نقدية متواضعة في الشعر العربي والعامي منه خاصة . واستنطاق النص الشعري واستخراج مضامينه هي الطريقة المثلى للدرس ، وأنا أدرّب طلاّبي في الكلية على ذلك. هذه هي الطريقة الأكثر أكاديمية وإقناع من تلك التي تتّخذ من سيرة حياة الشاعر ومن مناسبة القصيدة مفتاحاً أو مدخلاً لحل مغاليق النص واستكناه أسراره .

◘ كيـف؟

خذ هذا المثل: قال عمر في "النعمية" بيتاً أخطأ النقادة العرب إدراك مغزى عمر منه، وورّث شكّاً عند بعضهم كسليمان الخش ومارون عبّود، وفيه يختتم عمر مغامرته مع صاحبته ( نُعْم ) بهجاء مرّ غير مباشر لزوجها، وفيه تشهير مقصود بشريفات المجتمع الأموي ، قال :

هنيئاً لأهل العامرية نشرها اللذيـــ/ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــذ وريّـــــــــــاها الـذي أتـذكّر

أنظــر إلى هذا التدوير في (اللذيذ) وأقرأ البيت كما هو مكتوب بمدّ ياء اللذيذ، فماذا تجد غير التّشفي والفضح والتشهير بزوج ( نعم ) وبأهلها قبل نعم، وما يفعل هكذا المحبون وإن لم يصدقوا في حبهم ، ولكنها نار الانتقام المتأجّجة في لُحفة عمر من "شريفة" قرشية كانت تستفتح بنسبها على أمّه السبية اليمنية؛ ففي كلمة "اللذيذ"والتدوير الشعري مفتاح سرّ البيت والقصيدة بكاملها ، وهو يعبر جلياً عن إمعان عمر عمداً وعدواناً إثارة نار الغيرة لدى أهل نعم وجرحهم .

   الإنتقـام من الشريفات

◘  لكن النقادالعرب بما فيهم طه حسين وضيف وعمر فرّوخ بل وحتى الأصبهاني صاحب الأغاني يقولون على أن عمر بن أبي ربيعه قد قصر شعره على التغزل بالمرأة وأنه لم يهج قط ، بينما تقول أنت أن له شعر في الهجاء وأنه هجا المرأة؟‍ ‍‍

المقابلة بصحيفة الثقافية
جميع الكتاب الذين ذكرتهم هم ضحية الأصبهاني ، والأصبهاني نفسه ضحية الرواة المتضاربة أقوالهم . قال الأصفهاني في أصل أم الشاعر عمر أنه يرجّح أن تكون يمنية (حرّة) لا سبيّة ، ودليله على ذلك كبرياء عمر وتيهه ودلاله ؛ قال: "والغزل أتى عمراً من اليمن" ، فماذا ترى؟ إنّ مثل هذا التخريج في الأدب هو تخريج بائس. وقد انتظم في سلك هذا التخريج أو الاستنتاج الكتاب الذين ذكرت أنت . ولكنا إذا ما قلبنا الصورة مخالفين لهم فإنّا نصل الى معرفة سر" نشر عمر غسيل مجتمعه على حبال شعره " وهو ما تســاءل عنه الأستاذ (سليمان الخش) المحاضر بالجامعة السورية في كتابه الذي ذكرت قبلاً وتركه من دون إجابة . ثم أن الأدباء تعارفوا على أن الهجاء لا يكون - في مجتمع كالمجتمع الأموي - إلا في الرجال دون النساء ، و قد عزّز هذا المفهوم لديهم أن ليس للهجاء في كل عصوره الأدبية غير هذه الصورة . ولكن شاعراً في مقام عمر في قومه وبسبب وضع أمه الاجتماعي؛ أ قصد أن يكون عمر من مخزوم ريحانة قريش وإبن أغنى أغنياء قريش أمه جارية ، قد أجبره - انتقاماً لأمه من شريفات قريش وسيدات البيت الأموي المالك - الى إتّـباع طريقة معلِّمه و"عبده" الشاعر سُحيم (عبد بني الحسحاس) في الهجاء بالغزل ، وهي ذات طريقة قريبه ( إبن قيس الرقيات) وهكذا أتخذ الهجاء على يد هذا الثالوث الأموي الآخر صورة جديدة هي (الهجاء الغزلي) التي فطن لها الدكتور طه حسين عند إبن قيس الرقيات، وفاته أنها أوضح عند عمر ومبررة منها عند قريبه ، وهي التعرّض للخصم والتعريض به ليس عن طريق تعديد مثالبه الشخصية بل بنبش الأعراض بطريقة غير مباشرة.

◘ هل تقصد أن إبن أبي ربيعة قد ابتدع هذه الطريقة إبتداعاً؟

لا ، سبق أن قلت أن مبتدعها هو ( عبد بني الحسحاس ) الذي على يده تعلم عمر الشعر ، وقد كان هذا واحداً من العبيد ضمن ممتلكات عبدالله "العِدْل" والد شاعرنا عمر. وتبعه في ذلك إبن قيس الرقيات شاعر الزبيريين خصوم الأمويين ومنافسيهم على الخلافة ، فكان عمر ثالث اثنين إذ وجد في هذه الطريقة ستاراً يمكنه الضرب من ورائه دون أن يُنْتَبه له، فذهب يعرّض بشريفات قريش وحريم البيت الأموي المالك اللواتي كنّ يستفتحن بنسبهنّ على أمه الجارية بأنهنّ الشريفات وهي غير شريفة ، وأنهنّ الحرّات وهي سبية "أم ولد". ذهب عمر يعرضهنّ سهلات المنال حتى لإبن السبيل ؛ قال على لسان إحداهنّ :

غريـب أتـى ربعنــا زائـراً   /  فأكـره رجعتـــه خائبــا

وفي بيت الشعر هذا تشفّ واضح ، وتعمّـد لفضح الشريفات ، وإنتقام مقصود لا يخطئه الذوق .

◘ كيف يلتقي بايرون مع عمر في هذا الشأن ،أقصدالهجاء؟

Lord Byron
هذا واحد من أوجه الشبه الهامة بين الشاعرين . فكما كان إبن أبي ربيعة مجدداً في طريقة الهجاء مؤسّساً مع قريبه إبن قيس الرقيّات ومع معلمه عبد بني الحسحاس ما يمكن تسميته بالهجاء الغزلي او الهجاء بالغزل ، كان لورد بايرون هو الآخر هجّاء من الطراز الأول. فقد كانت قصيدته الشهيرة "فهود إنكليز ومراجعون اسكتلنديون English Bards and Scottish Reviewers" حملة شعواء وقذع مرّ على كل معاصريه ، شعراء ونقاد ، الذين تعرضوا بالنقد لديوانه الأول :"ساعات الملل Hours of Idleness". وقد بدأ بايرون كتابة الشعرالهجائي باكراً وأبدع فيه مفرداً له وزناً مستقّلاً يدعى:(OttavaRima).انتقد بايرون مجتمعه سياسياً، وشهّر بالطبقة الأرستقراطية التي مثلتها سيدات لندن، وهجا كبار أدباء عصره بما فيهم زعماء الرومانتيكية كـ ( وردزورث وكلوريدج ). ويجد القاريء لورد بايرون أكثر إبداعاً في هجائه عنه في غزله .

   فاسقان كريمان

◘ ماذا عن أوجه الشبه الأخرى؟

كلاهما سيد في قومه ، وكلاهما تيـّاه مغرور بنسبه و بجمال طلعته وبشعره .كان عمر يفتخر بشاعريته ، إذ بمقدمه أقرّت العرب لقريش بالشعر ، وبطلعته التي جعلت منه المعشوق لا العاشق ، وآزر حسن شعره جمال طلعته فتزاحمت النسوة حوله فصوّر نفسه في كل قصائده مطلوباً لا طالباً. افتخر عمر وفاخر بأصله ونسبه كسيد هاشميّ من مخزوم ريحانة قريش ، وأفرط في ذلك بسبب أصــــل أمه فهو "المغيريّ والمخــزومي والقــرشي"بحسب قبيلته وعشيرته ، وهـــو "أبـو الخطـــاب"و" أبو حفص" بحسب كنيته ، وهو لذلك عمر منقذ العذارى ساعة الضيق والحرج وهو في عيون صاحباته كـ (الخُضُـر) في الفلكلور الشعبي، أو "غودو Godot " في الأدب الإنكليزي، أو قل كالقدر السعيد القادم الى العذارى على ظهر حصان أبيض تحلم به كل بكـر، قال:

بينما ينعتننــي أبصرننــي  /   دون قيد الميل يعدو بي الأغر

وهو المستعان عند كلّ عثرة ؛ ذلك أن نساء الحجاز كنّ يدعين باسمه ويستنجدن به ، تماماً كاستجارة اليمنيات بـ (سين) و (يس) و ( إبن علوان) كلما عثرت إحداهنّ في مرطها؛ قال عمر :

كلـّمـا عثــرت في مرطهــا /  نهضـت باسمـي وقالت: ياعمر!

ومثله إفتخر لورد بايرون على أضرابه من الرومانسيين بأنه الرومانسي الحق، وكان حقاً صوت الرومانسية كمدرسة في كل أوربا . وكثيراً ما افتخر بايرون بتحدّره من عائلة ترجع الى ( وليام الغازي William the Conqueror )، كما كان بايرون جميل الطلعة أسرت وسامته يؤازرها صوته الشعري أرستوقراطيات لندن وسيدات إيطاليا. كلاهما قال شعراً جريئاً في المرأة ،خاصة عمر. وكان لكليهما موقفاً عدائياً إنتقامياً من المرأة ؛ سببه عند بايرون إصابته في حبه الأول وفشل زواجه من الأرستقراطية المتعجرفة (ميلبانك)، وقسوة أمه عليه صغيراً، وطرده من إنجلترا بسبب ما أذيع عن علاقته بأخته. وسببه عند إبن أبي ربيعة : تيتّمه المبكّر، وإحساسه بالكره تجاه "حرّات"مجتمعه اللواتي كنّ يستفتحنّ بتحّدرهنّ "العريق" على أمه (مجد) السبية اليمنية ؛ ثم إصابته في حبه لـ ( الثريّا) التي بسببها أبعده أخوه (الحارث) إلى أخواله بلحج وأبين. وهكذا يلتقي الإثنان في أنهما قد أبعدا عن بلدتيهما بسبب المرأة. ومن أوجه الشبه الأخرى أن كليهما كان نبيلآ ورسول حرية ، رحيماً ومناضلاً من أجل الإنسان .. وكلاهما كان فاسقاً متمرداً، وأخيراً كلاهما مات وهو يقاتل في سبيل الحرية للإنسان ومن أجل ما آمن به واعتقده : مات بايرون وهو يقاتل مع الثوار اليونان ضد الاحتلال التركي، ومات إبن أبي ربيعة محترقاً في سفينته وهو في طريقه مع المجاهدين المسلمين لفتح إسبانيا - إن صدق الرواة. وهكذا كانت الحرية الجامع بينهما حياة فموت .

◘ كونك ناقد بحث في الأدبين العربي والإنكليزي،هل وجدت فروقاً في التناول الشعري لموضوع المرأة عند الشاعرين؟ لمن الغلبة،للشاعر العربي أم الإنكليزي ؟

عشاق الشريفات ـ دراسة مقارنة

المرأة عروس الشعر العربي، كما هي أحد مواضيع الشعر الإنكليزي الهامة ، وللأسبقيه الزمانية للقصيدة العربية ، من جانب، ولأن اللغة العربية مطواعة وغنيّة وشاعرية على عكس الإنكليزية المعروفة بفقرها تركيباً نجد تناول الشاعر العربي لموضوع المرأة – في نسيبه أو تشبيبه – يتعدى الوصفية إلى التعبير عن مشاعره هو ، وعما يعتمل في نفسه من وجد وشوق أوتحقيق لقاء تعبيراً غنائياً ووجدانياً معاً، وفي ذلك يبزّ الشاعر العربي نظيره الإنكليزي الذي تقف ملكته الشعرية عند حدود وصف الخارج. والعكس صحيح في تناول موضوع الطبيعة حيث لا يستهوي عمر"البرق والشوك"، ويستحيل بايرون مع الطبيعة الى طائر غرّيد ، وإن كان أقل أقرانه الرومانسيين ذوباناً كـ ( شللي) و (كيتس) .. ولربما مردّ ذلك الى حالة الحرمان والكبت التي هي نعمة للشعر وللشاعر العربي . فالحرمان قد ذاقه عمر باعترافه ، فتفوّق في موضوع المرأة على شبيهه بايرون. هذا عمر ،مثلاً، وقد برّد عطشه من رضاب صاحبته يعبّر أجمل تعبير لا يرقى إلى مثله الشاعر الإنكليزي :

فلثمت فاهـا آخـذاً بقرونـها  /  شرب النزيف ببـرد ماء الحشرج

◘ أوجه الشبه كماأوضحت كثيرة،فهل يعني أن ليس هناك أوجه إختلاف؟

ليس هناك اختلاف، بل هناك عدم تشابه ؛ فالشاعران يلتقيان حتى في مواطن عدم تشابههما. مثلاً ،في قصيدة بايرون : "تمشي في الجمال She Walks in Beauty" بدت عشيقة بايرون تمشي في جوّ مونق يحفّ بها الجمال من كل جانب ، تنزل السلام والفرح في الرجال المحتفلين هكــــذا :

She walks in Beauty, like the nighthtt

Of cloudless climes and starry skies

And all that's best of dark and bright

Meet in her aspect and her eyes:

Thus mellowed to that tender light

Which Heaven to gaudy day denies.

بينما بدا عمر لصواحباته اللواتي كنّ ينتظرن مقدمه في سكون الليل المظلم قمراً أضاء ظلمة ووحشة قلوب العذارى هكذا :

بينما   ينعتنني   أبصرنني  /    دون  قيد  الميل  يعدو  بي الأغر

قالت الكبرى: أتعرفن الفتـى /  قالت الوسطى:  نعـم ،  هذا عمر

قالت الصغرى ــ  وقد تيّمتـها :/  قد عرفناه .  وهل يخـفى القمر!

    عشّـاق الشريفـات

◘ عنوان أطروحتك The Lovers of Noble Dames يبدو لي غير واضح. هل تقصد عشاق الشريفات أم السيدات النبيلات ، وكيف يلتقي الشاعران في ذلك؟

Byron in Albanian dress, painted by Thomas Phillips, 1813كلا الشاعرين يلتقيان في تغزّلهما بالمرأة الأرستقراطية مع فارق بسيط وهو أن بايرون تتبّع وتغزل بسيدات المجتمع الإنكليزي وخاصة (المتزوجات والوارثات) طمعاً في ما لديهنّ وهو يحاكي في ذلك والده ، أما عمر فقد تغزّل بشريفات قريش أمويات وهاشميات وخاصة (غير المتزوجات) واللواتي لهنّ مكانة اجتماعية عالية،أو شريكات الخلفاء وبناتهم. وهما يلتقيان في رغبتهما للانتقام من الأرستقراطيات اللواتي يدّعين الشرف والعفاف ويستفتحن بذلك على غيرهنّ من النساء عند عمر، أو يتظاهرن بالعلوّ والتفوّق ويتعجرفن وهنّ بليدات الحسّ والمعرفة وغير بريئات عند بايرون. وكلاهما رام الفضح. وقد أدركت( فاطمة بنت عبدالملك بن مروان) مقصد عمر الحقيقي دون غيرها فأطلقت عليه :"فضـّاح الحرائـر". وقد صدقت ابنة عبدالملك؛ ذلك أن مفردة الفضيحة تجري في ديوان عمر كجريان السمّ 
في "هاملت" شكسبير ■

 ----------------------------------------

■  نشرت بجريدة (الثقافية) العدد ( 130) في 14 فبراير 2002 م

ا

1‏/11‏/2023

الدكتور العمودي .. بيت الشعر وعموده

الدكتور الشاعر بن عبود العمودي غنت بنات زيوس التسع مرّة فطرب جبل Pieria ، مسكن الإلهام الشعري ، وصار يكبر ويعلو فجاء حصان ربات الشعر ورفسه  فتوقف عن النمو ، وانفجر نبع Hippocrene. من هذا النبع نصح الناقد الإنكليزي إلكسندر بوب الشعراء والنقاد الشرب حدّ الارتواء. نصحهم بالتعمق في دراسة الشعر لأن المعرفة القليلة تسبب الغرور قال:

Pierian spring Drink deep, or taste not the

.. وسال وادي دوعن فحفلت (قيدون) بالرموز والأسرار، وانسكبت (بضه) عسلاً شافياً. من نبع (شجيمجي) ، الهامس فرحاً فوق ذراع دوعن الأيمن ، شرب العمودي شعراً و(دحيفاً) على المدروف والقمبوس، ومن (بضه)، الجالسة سعيدة فوق ذراع دوعن الأيسر، استقى ذوقاً ومعرفة ، وعبَّ من زمزم بركة ومحبة فاستعذبت روحه الاستظلال بضوء نار الهدى

----------------------------------------

يمتد ذكر العمودي إلى أكثر من ألف عام قبل الميلاد. ومن ذريته ولي الله الشيخ سعيد بن عيسى العمودي المقبور في (قيدون) بوادي دوعن بحضرموت, وله كرامات مشهورة تعانقت فيها الأسطورة بالخرافة وغدت الحقيقة فناً. لقد استولى تلميذ باعلوي النبيه على العقول والأفئدة وجاء فوق أستاذه علماً وبركة, فاستحق أن يكون "خزنة الجود وقليده" ــ كما عبر السيد المحضار. ولطالما حدثتنا جداتنا فأمهاتنا في لحج عن كرامات هذا الشيخ وكيف أنه كان في قافلة اعترضها قطّاع طريق فأمر القافلة أن تعمّد أي ترتفع فعمّدت وعبرت من فوق رؤوس اللصوص ونجا القوم , ومن هذه الحادثة جاءت تسميته.

هو ذا محمد بن عبود بن علي العمودي شيخٌ عمود من شيخٍ عمود, شيخُ علمٍ وبركة كابراً عن كابر, فليس غريباً أن تأتيه الدكتوراة في إدارة الأعمال منقادة لتتزيّن به. هو بذر حضرميّ نبت بأرض مقدسة. من قبر جدّه الكبير يستمد (أبو علي) البركة, ومن صندوقه المقدس تواتيه نفحات الحكمة والفطنة, ذلكم الجد الذي امتـدت كراماته من (قيدون) محلّة (آل باداهية) , أخوال الشاعر, بحضرموت وحتى (بيت عياض) بلحج حيث ما نزال نسمع الناس يتغنّون في آخر جمعة من شهر رجب من كل عام:

عمودي يـــا عمودي عمود الدين غـارة  /  وانا قلبي مولّع يبأ راس المنـارة

عمودي ياعمودي عمودي ساعة الضيق /   وانا قلبي مولّع يبأ بين السنابيق

ـــــ  خاطركم يا المشايخ !

من مأثور الحضارمة قولهم:" شيخ وعرفناه , سيّد أين دليلك؟" أما وقد جئت أيها الشيخ إلى وادينا (عبقر) فاسمح لنا, في هذا المقام, أن نحلّ عنك ألقابك الاجتماعية والأكاديمية, ولنقلب قول أجدادك الحضرموتيين إلى: شيخ وعرفناه , شاعر أين دليلك ؟ فهلاّ أمرت القصيدة بأن تعمّد ياشيخ .. جئناك يا سمعان.

                         اليوم يومك يا بتول * غدوة لِبن عيسى مزار

دواوين الشاعر العموديجاءتني دواوينه الأربعة ولم أضرب لها كفّ موعد ، فانبهرت بشكلها: طباعة أنيقة على ورق فاخر في غلاف فخم مع اثني عشر سيدي نصفها عن رجل الأعمال العمودي ونشاطاته الاجتماعية ونصفها الآخر يحوي قصائد الشاعر المغناة ..في دواوين بن عبود الأربعة: (نفحات الورد ـ مترجم إلى الإنكليزية ـ وسكن الليل, منتهى الحب, وربيع العمر) يتآخى الفصيح والنبطي و"يتخاويان" على وتر المحبة, ويسيران معاً يشيّعان قلب عاشق ذاق الهوى حدّ الجرح. 

شيخنا مجروح , ولا غرابة , فشعراء السعودية الكبار إما أمير "محروم" كعبدالله الفيصل أو أمير "محزون" كخالد الفيصل أو شيخ "مجروح" كابن عبود, وما بانت لنا غير سنّ (ابن شلحاط) فلا أعاد الله العبوس لشعر الجزيرة. اشتكى عبدالله الفيصل, وهو أسد الجزيرة وحامي المقدس ومالك القول والريال, من الحرمان وبكى حاله أمام الحبيب المعاند:

ولولا الحب في الأعناق رقّ  /  ملكتكِ باليمين وبالشمال

وهوذا العمودي, وهو الشيخ والدكتور ورجل المال والأعمال الكبير, يئنّ تحت ضربات الغرام ويشكو:

ماحد تعب في الهوى مثلي /  والكبد بالسيف مطعونة

با سامحه  لـو نـوى  قتلي /  والحب باعطيه قانـونه

وعلى كل ما أعطاه المولى من نِعَم وما بلغ من مجد وشهره فإنه يشعر بغربة, ويعترف:

رغم أنني في دنيتي نلت المُنى طلت السحاب

لكنني في غربتي شفت الضنى ذقت العذاب

أحسب خطاي / والفت وراي واكتم شكاي / واخفي العتاب

*   *   *

الخِيل والخَيل والخَال

أبو عبدالرحمن شاعر غزلي, والغزل لغة الحب, والحب، كما يقول شيخ الأدباء:"ملاك الحياة وُجِد لحفظ النوع فهو لا يفنى إلا بفناء هذا الكون, وهو إذا شاخ مع الفرد فإن نواته لا تموت أبداً"، والعشق أحد درجات الحب وفيه يقول الأمير اللحجي (القمندان) محرّضاً:

مُباح العشق لأهل الهوى وامَن معه زين حَبّه / يسوّي له قشاقش ولَبّةْ

ومثله فعل الشيخ الحضرمي (أبو دحمان):

الحب ما هو عيب يا نايم ذهَنْ  /  من حب خلّه يسهر الليل الطويل

يدور شعر العمودي حول المرأة , ولأن المرأة أبدع مظاهر الطبيعة فهي في عيونه بهيّة كالقمر, جفنها كالهلال, وجيدها كالريم ونهدها كالثمر؛ وهي رشيقة وخفيفة كالوعل , وفيها من أشياء البادية وحيواناتها صفات كثيرة. ويعشق العمودي ثنايا الحبيب وريقه، والريق للدعوني عسل:

يـا رومي العنـق والهيكل /  يـا شهد جردان بجباحه

عن مُغرمٍ في هواك اسأل /  ياللي ثنـــاياك وضّـاحه

ويستهويه صاحب الخال المُغنّي:

حلـــــو المباسم تثـنّى /  والخـــال ع الخد غـنّى

والشعَر بالورد مشبوك / خايف عليك يحسدوك

الورد يا شيخ اسم عام وأنواعه وألوانه مختلفة فلو قلت (الفل) لكان لنا مخرج منها ومُعتَصر. وكامل الحسن في عيون ابن عبود مَن كان يشبه الخَيل في مشيته والنوب في حنّته:

مَرّ جنبي على الأقدام، عابر سبيله /  لا قَـبَل خيل عنتر وان قفا خيل شيبوب

مثل أبو النوب له حنّه ورنّه جميلة  /  لا خـرج من جبوحه يتبعه كلّه النوب

انظر، يحب الشاعر أن تكون لصاحبته مشية خيل عربية أصيلة لا خيل تُبّاع كرومل ذوي الرؤوس المستديرة (Roundheads) الذين سار محفوفاً بهم ضيفاً على صاحبة التاج البريطاني.

من على حنجرة المطربة (روزان) يخاوش (ابن بضه) الخِيل فيسّاقط رطباً جنيّا, وما رام صاحب مجلس الفروسية غير شمروخ من المَطْي, وما بين الخِيل والخَيل نسب يذكَّر بصاحب "قصائد نبطية" المولع برسم الخيل وركوبها. ويذكّرنا قول العمودي بـ(شُعْفة الشيخ سعيد) - خاطرهما:

يا مخاوش الخِيل تسلم  /  مُدْ لي من المَطْي شمروخ

لطفك  وعطفك  علينا  /  يكفيك  من  كِبْـــر  وشموخ

*    *    * 

بين أبي دحمان وأبي جوان

مِثل الشيخ عمر مثّل الشيخ العمودي لنساء عصره شركة مساهمة, فقد منحهنّ فؤاده فشركنه في مخّهِ والأعظُمِ. هما في عيون المعجبات الحلم المطلوب، وكلاهما مؤصّل وميسور ووسيم وشاعر, وإنما امتاز شيخنا بوفائه وصدقه ، بينما اشتهر المخزومي عند  صاحباته بالخداع فامتلأ شعره بالأيمان الغليظة. للعشق قانون يتوارثه أهل الغرام ويجلّونه، يعلن العمودي التزامه بكافة بنوده وهي: عز المحبوب، والوفاء بالوعد, وحفظ الأسرارـــ والحضرمي كتوم لا يهتك سبيل الحب فالهوى يُستدام بالحذر, وآخرها الصبر على متاعب الغرام:

 أنا جيت من شان باعزّه  / وعَدت والوعد ما خونه

 مهما تحمّلت من شانه  /  بصبر, وكلٍّ ليه مضنونه

إذا أخلف المحبوب وعداً استحال الشاعر كتلة من نار:

ما أبي حتى أشوفك /  كل شي فيني زعل

وحينما يصدق وعده ترى الشاعر يهلل فرحاً:

كل الأحبة صدّقوا الميعاد ماحد غاب / حتى القمر بدري طلع ما طوّل غيابه

ولمكتوب المحبوب بعضُ أثر الوصال:

لو جاء يوم منّك جواب /  يشرح فيه فصل الخطاب

بفـــرح به كما مولـــــدي /  خليهـا بســــاط احمــدي

هذا شعر فيه سهوله وبساطة وعفوية وخفة وموسيقية يستحق صاحبه الثناء. إنّ لأبي عمر أسلوبه في الغرام وفي التعبير عن الهيام, هو عاشق قح وهو طبّ بأمر المرأة المعاندة. قابل (أبو عمر) جميلة فحاورها على الطريقة العمرية:

قلت مشكورين يـا بنت الكرامْ   /  وين ساكنكم؟ عسى الساكن قريبْ

مقصدي سلّم على اهلك والعِمامْ /  (نا عمـودي , منّكم ما نا غريبْ)

لاحظ كيف تُسكَّن الصدور والأعجاز عند السؤال عن المسكن! إن مقلع أهل الغرام واحد, فقول الشيخ هذا يذكّرنا بقول شيخ الغزِلين لصاحبته هند:

إنما أهلك جيران لنا   /  إنما نحن وهم شيء أحد

ولكن الشاعرين قد عادا بسلتيهما فارغتين، فهند ماطلت أبي جوان إلى بعد غد، وأما أبو دحمان فرجع من عند البدوية يجرّ المنى جرّاً ليقول:" بس أنا مالي في الطيب نصيب". وفي محل آخر يخاطب محبوبه :" إذا تبغى الطمأنينة/ قرب أكثر من الخوف " (منتهى الحب 101). وإليك حيلة عمودية أخرى فانظر كيف يكيد العذال:

 أنا شفتك تمشين لوحدك /  سرحانة وايدك على خدك

 ببراءة كيف اطلب ودّك /  ونكيـــد عـذالي وعـــذالك؟

العذال عنده كما هم عند باقي شعراء العرب أعداء لا خصوم وسبب ذلك حدة العاطفة عند العربي، وشيخنا يحب الجبر:

أنت مُنى قلـبي وغـاية مرادي / امشي على دربي وسيب الأعادي

الجبر واجب في الشريعة وفي الدين

الشيخ محمد صديق للمرأة وحبيبها, يستوحي الجمال والحب ويقول ما يشعر به ويبتعد عن القبح والبغض. وهو لا يرتضي للحبيبة إلا أن تكون مواصِلة:

ليلة النور لا شفتك كما ألف ليلة / أنت أول حب وآخر حب ما فيه تغيير

حبيبات بن عبود بدويات كأنهنّ الغزلان ومدنيات كأغصان القرنفل, يسيل من شفاههنّ العسل دوعني من (الشَّعبه) ويفوح من برودهنّ المسك والعنبر وعطر الطائف:

قربك يرد الروح يا عطر السمر /  يا طايفي يا مسك يا عنبر وعود

بسبب الحجاب شعراء السعودية مفتونون بالعيون ولغتها بل هم ضحاياها, ذاك الأمير عبد الله الفيصل يشكو فعلها:

            ردوا سهام الجفون  /  عن قلبـي المسكينرقصة الهبيش الحضرمية

            لا توقظـوها جراحاً  /  أعفى عليهـا حنيني

            فقــد بــذلت شبـابي  /  ضحيـــة  للعيــــون

            أما رحمتم حطــاماً  /   نـــــاداكـم  بالأنين

            فإنْ أردتم بقــــائي /  ردّوا سهـام الجفون

وهذا الشيخ محمد يحار في فهم أسرارها:

سهمك المجنـون سرّ غـــامضٌ /  لست أدري يا ملاكي ما يكون

هل طويت الكونَ في سهم الهوى/  ليـت لي فهمٌ بأسـرار العيون

إنْ يكن سهمٌ وحيــــــدٌ هدّني / كيف حالي عندما أعصي الجفون

من شعر عضو لجنة السقاية والرفادة نستقي شُهداً صافياً: عذبٌ في موسيقاه، وحلوٌ رومانسي في نسقه، ولذيذٌ في أسلوبه، ونُرفد بشعر غزل قوامه العاطفة، بغزل عفيف لا يقتصر على امرأة واحدة ولكنه لا يخرج عن حدود الحشمة والفضيلة:(نفحات 84)

            ما تـرد التحيّة ؟ / ليه زعـلان منّي؟

            كلِّ الأشواق فيّه /  نبضها لك يـونّي

            إلتفِتْ لي وهيّا / ابعد  الهـم عنّـي

أنظر كيف رقّص (بو عمد) الشدّات رقصاً حضرمياً.. وإذا شئت أن تعرف خلاصة تجربته في الحب فاقرأ رائعته بديوانه (ربيع العمر). أعجبني عدل الشيخ في هواه فقد جعل لجميع صواحبه ثلاثة دواوين وجعل لريم وحدها ديواناً مستقلاً. رجحت كفتها إذ حازت على (ربيع العمر) وهي وحدها "القصيدة العصماء":

لولاك ما أصدرت ديواني /  ربيع عمر , ولا تسمى

يا نغـم شعري وألحاني /   وأحلى قصائدي العصما

شفتك  وكحلت أعياني /  يا ريـم , يا أجمل الأسما

واشتاق يا ريـم ظبياني /  مثل اشتياق الشجر للما

الجميل هنا إسقاط الشاعر للهمزات فتكثف المعنى, والأجمل تلك الروح الصحراوية التي تعكسها مفردات: الشجر والمطر والربيع والكحل والريم، والأكثر جمالاً وفاؤه وصدقه, وما احتفاظه في منزله بوعلين وظبي إلا من قبيل إمتاع الخاطر بمشاهدة المشبه والمشبه به معاً.

قهوة الغرام

الشعر عند العرب كالقهوة من لوازم المائدة، والقهوة والغزل والحبيبة من لوازم السهرة. فأما القهوة فمشروب أهل الجزيرة المفضل  ولهم في عملها طريقة خاصة يكاد لا يباريهم فيها أحد، وفي القهوة كتبَ شعراء حضرموت قصائد كثيرة حواها كتاب (النور السافر) لابن العيدروس. وأما المرأة فأنشودة الرجل ومطلبه، وأما الغزل فشيخ السمرة ومطلوب الحسان، وهو عند شاعرنا وسيلة للوصول إلى (الزين) وليس غرضاً مقصوداً بذاته. والأحباب هناك يتساقون الغرام بالقهوة سواء عملت من البن أو من الشاي، والشاعر عمود السمرة وعمدتها، وهو لا يشرب قهوته بلا سكرّ:

 أنا اشرب قهــوتي مُرّة /  مادام فيك الحـلا زايد

ولا   أشـربهـــا  بالمَرة  /  إلا  وانـت  متــواجـد

 وجـــودك نـوّر السهرة  /  صبــــــايا بينهم قائد                       

الله، الله، كيف يُخاطَب المحبوب. وهنا يلذ لي أن أروي قصة توافق المقام. كان شاعر لحجي في مجلس سمر، فانشقّ الباب وإذا (الشريفة) تهبّ بقهوتها.. فقال موريّاً:

              قهوة "السادة" رزينة /  حالية من غير سكّر

أحياناً يكون شرب القهوة عند الحبيب منتهى القصد فقط ليقول للعاذل :" أنا يكفيـــــــني الفنجــــان عنده لا تقهويته"، أما حين يقطع الحبيب عادته فيُخاطَب هكذا:

زمـــان لا شفتـني طلّعـــت بنـديـرة  /  واليوم من شاهيـك ما سقيتني فنجان

 اسقيتني مُــرّ ما حصّلتْ لي غيــره  /  وانا سقيتك بغيّة من عســـــل جردان

مَن شَلّ هرج العواذل صابته غِيرةْ  /  عوِّذ من ابليس ما حد يتبع الشيطان

تعجبني طرافة العمودي هنا ، والطرافة عماد الفن ـــ ابليس صديق الشعراء يا شيخ! و(لأبي الدُّحم) في الفصيح طرافة وخطرات عذبة أيضاً كقوله في قصيدة (منتهى الحب):

لـم أكــنْ إلا قتيـــلاً فاعتــــدى /  أو أسيـراً حـلّ أغـــــــلال الدلال

عاد من أعماق روحي ما بدى /  من حنيـني والأغاني في سجال

منتهى الألحـان فــــي ذاتي فدا /  وعـدنا الآتـــي وآهـــاتي طوال

وصلنا كالحلم أو يصحـو الردى /  بعـده ، والعمر يكفي للوصـال

أسمعت هذا الشعر الذي يجري فيه الصدق حزيناً جريان أنامل عازف لحجي موهوب على وترٍ مُرنّ . أجل، "كل شي فيك زين/ وانت من الزين أغلى" ــــــ  من مالك نهدي لك يا شيخ.

العمودي شاعر "غنائي" أي وجداني ذاتي وشعره منظوم للغناء. في شعره ربيع وحب وليل وورود ونغم. وفي أغانيه موسيقية متدفقة, وفيها تطريب وإدراك لسر البحر الشعري وتنويع ووعي بقيمة القافية كما في قصيدة (ياروح) التي أجراها على (مستفعلن فعلان):

حصن الغويزي بالمكلا ــ حضرموت 2          يا روح داخـل روح  /  يـا توأمي فـي الـروح

          إن مس خلّـي جرح  /  أمسي أنـا المجـروح

          لـو تقترب مني  ــ  أو تبتعـد عني

          نفحة هوى حبّي  ــ  من روحــــك أنت تفوح

للعمودي خاصة موسيقية في أغانيه التي يرسلها عفو الخاطر ، والصوت الدوعني هو عسل بن عبود المفضل (دوعني في كلامك –ربيع 67)، أما صوره الشعرية فتعكس جو الصحراء حيث القمر والمطر والظلام والهاجرة:

طلعة جبينك نـور من نور القمر  /   والمبسم الوردي وتفاح الخدود

من حيث ما تمشي يجي بعدك مطر /  والجو يصبح غيم والدنيا برود

والليل حليف الشاعر العاشق وخليله, وقد خصه العمودي بديوان أسماه (سكن الليل) واستهله بقصيدة هي واحدة من عجائب القصيد العربي, يقول مطلعها:

سكن الليــــــلُ والأماني عِذابٌ /  وحنيني إلى الحبيب عَذابُ

أنا والشوقُ في الغرام ضحايا /  سرقَ البعدُ عمرَنا والغيابُ

بيننا يا ضيـــــــاء عيني بحـورٌ /  يملأ العينَ حرُّها والسرابُ

أنظر كيف "صاهَرَ" الشاعر بين نفسه والشوق , و"ناسَبَ" بين البعد والغياب, وقابل بين العذْب والعَذاب. إن العمودي رديف للشوق، وليله طويل. هذا هو في قصيدة أخرى (ياطير يا شادي) يحنّ ويئنّ على إيقاع (مفاعيلن مفاعيلن):

ألا يا طـير يا شادي / أنا حنّـيت لبـلادي

يا حظّك معك جنحـــان /  سرى ليل المحب سهران

مَـن هو فارقه خلّه  /  تشوف العـز في ذلّه

مع رِبْحَه ترى خسران / سرى ليل المحب سهران

الإيقاع حلو وحزين, فهل لنا بصوت فيه شجو وشجن يغنيّه؟

في شعر العمودي تعبير عن حالته النفسية بتقريرية محدودة, هي لحظات تنفيس لرجل أعمال كبير كثير الانشغال، وفيه شعر هو الشهد الصافي جاءت به تجربة وجدانية حقيقية مثال قصيدة (مدري- سكن الليل79). هناك يسابق الشاعر شوقه ويبدأ بداية عذبة: (مدري سبقني الشوق / أو جيت انا بدري) ويحسن ختامها - وقلّما يتقن شاعر ختام قصيدته:

أهــواك يا مَن هوى قربي /  يـــا سِيْـد ربـعي وخلاّني

يا مُوقد الشوق في صدري /  ردّيت , ردّ الهوى ثاني

خلّيت راعي الهوى ــ  عليـل ماله دوا

تدري أنا الولهان ــ  بك ياغصين البان

شفقٍ على شوفك  ــ  يا حـبي العذري

مدري!

إنّ تضاؤل الشاعر أمام المحبوب تقليدٌ معروف عند الشعراء العشاق, وصاحبنا هنا عاشق حقيقي, أنظر كم تحمل كلمة (شفقن) من التودد والاستعطاف. ولهذه القصيدة لحن غاية في الإطراب بدا فيه المطرب اللحجي عبّود وجهاً آخر لابن عبود, وجميل هو القصيد وعذب هو اللحن ومباركة الأغنية متى سارت بين الشيخ والسيد.

إبن عبود كالقمر له هالة حيث يطلع ، هو المسوّر بدلال الحبيبة ، وهو المتوّج بفرحة الخلان، وهو "المحوّط" بالله ورسوله وبصالحات أجداده الكرام وبدعاء والديه، وبخاصة أمه التي، كما نستقي من شعره، يبرّها كثيراً ويدعوها نور الحياة وعماد البيت،

أرثيك يا من استنرت بنورها  /  كنت الضياء لأهل بيتي والعماد

ويقول :

فإذا فخرت بوالدي /  فالأم في الدنيا أحن

في رثائه لها لوعة وحرقة تشي بمقدار محبته لها، هوذا ينادي ربه داعياً:

يا ربّ أمي على الأبواب فاسكنْها /   في جنةٍ عامرةْ بالزهر والثمر

ولأمه الكبرى (بضه) بنت (وادي دوعن) حنّ واشتاق وتذكّر بلداتها:صيف، الواديين، الدول، المحلة، صرو

م والجول وأم الهجر و"لا  سال دوعن من أم الهجر باقول ياحول"، وقال مشبّهها بملكة النحل:

حـني يا ( بضه ) حنّي /  حـني يـا بلــد ( قيـدون )

أنا مشتـاق لبـــــلادي /  وقلـبـي منهــا مشطــون

وأهوى جوها الهادي /  وأشبعْ لي نَسَمْ وسْكونْ

الشيخ محمد بدوي الروح, تنعكس البداوة في شعره وفي سلوكه, هو عربي قح، والعربي "خلاصة إنسانية, صهرته شمس الصحراء فلم تبق منه إلا عروق الرجولة الحق وخطوطها". إذا حضر مجلساً كان زينته؛ وإذا تكلم سالت الحكمة من فيه عذبة نافعة، إنه يستوحيها من ( عبود بن حسن القحوم العمودي) القائل:

بالعقل قدّر عشر واقطع مرّه / ولا يضر الشور في ردّاده

الباب لا تشظاه  حدّ  الشعَرة /  حتى تدير الفكر في قلاّده

ومتى جلس الضيوف إلى مائدته العامرة ألفيتَ رجلاً بدوياً كريماً يطوف على رؤوس ضيوفه حتى يشبعون؛ وإذا طربوا و"اشترحوا" انشرح قلبه وانطرب وخاض مع السامرين على وزن (القطني والدحيفة والشبواني) ، يتداوله الراقصون ويتناوبون على "ملاعبته" حتى تيبس رجلاه ويمنعه تواضعه من الاعتذار.

إنّ المرء على ما عوّده أبوه , والعمودي سليل بيت مشيخة وبركة وجود , هم "خزنة الجود وقليده" كما عبّر المحضار، فلا تظنه مبتهراً إذ قال:

ومن قال العمودي خان أو له نفس طماعة   /  يمين الله ما خون المحب أو بالف أو بادور

أنا أصلي وفصلي من عرب للجود مرجاعة   /  ومن يجبر محمد صـار مني خاطره مجبور

وإلى خصاله الحسان تلك ابن عبود ذو فضل ومعروف، وهو مخلص في ولائه ومحبته لآل سعود. فإن كان الأمير سلطان في عيون الشاعر خالد الفيصل "صقر الرجال أصخا بصقر الحبارى"، فـ(كحيلان) في عيون العمودي ديمة عالية تهمي بالخير:

كفّك ومكيالك على الأرض مكيال  /  كافل بشر من فضل خيرك رعاها

همّـال جودك نشربه عذب سلسال /   هناه  شـافي  والعطاشى  سقاها

هذه صورة صحراوية بديعة فيها السماء والمطر وأعناق العطاشى شاخصة مُستَسقية.

كعمود من غمام يتقدم العمودي القافلة نهاراً ليقودها إلى حقول المال والأعمال والنجاح الكبير؛ وكعمود من نور يسري بها إلى وديان الشعر ومنابت المجد بمثل روح شاعر الإباء الكبير ـ "وكلّ مكان ينبت العز طيّب". من (دوعن), وادي العسل الذي فيه شفاء للناس, خرجت جمهرةٌ من رجال كبار غطى ذكرهم المسكونة: العمودي وبن محفوظ وبُقشان وبَغْلَف وبابراهم وباخشب وباعشن وباحكيم وباخشوين وباءات أُخَر سال خيرهم على بضه وخَيلة والجحي والمخينيق وحتى سفُولة اليمنة محلة الشاعر النهدي.

الشعرهو تجلّي الإنسان في أحلى كلماته وأفكاره, وفن الشاعر هو في معانيه وصوره وألفاظه. هذه بعض خطوط من صورة العمودي الشاعر في ميزان النقد الأدبي لا المصرفي؛ الشاعر الذي استوحى الجمال والحب وقال ما شعر به فكان صدى نفسه الصادقة (نفحات 73):

بسألك وانت قادر / تغفر الذنب غافر

زلّـتي والخطيّـة / المحبـة بليـة

ما أبدع هذا التضرّع والاعتذار الطالع من قلب القلب ولمثل هذا الإبتهال الحار يستجيب الله. في شعر بن عبود نغمات شجية كالدان الحضرمي، ونقية ولذيذة كالعسل الدوعني؛ ومنه يفوح عبير المسك وريّا القرنفل ونفحات الورد. وقصارى الكلام أن (بو عمد) شاعر جميل، رصين، صادق العواطف رقيقها، شريف القول عفيفة ـــــــــ إنه لشيخ حقاً.

البيت لا يُبتنى إلا له عمُدٌ .. ومثلما لبيت الشَّعَر عمود يرتكز عليه, لبيت الشِّعْر عمود من فكر يستقيم عليه معناه, ووتدٌ من شعور تربط به موسيقاه ؛ وهذا العمودي واحد من أعمدة شعرنا العربي قد ازدانت به ساحة الشعر العمودي بشقّيه الحكمي والحُميني/النبطي, وفرِحت به القصيدةُ كفرحته بموضوعها: المرأة ـ وصدَقَ عقل:"ويلٌ لشعر ليس غزلاً". وكما حمت (شعفة الشيخ سعيد) نخل أهل وادي حجر, هذه (قصيدة الشيخ محمد) تحلّ وادينا, وادي الإلهام، فتملأنا محبةً وبهجةً وسلاماً ـ حُيّيت ياشيخ الغرام.

شرب الأمويون بكاس الغزل سمنهم والحقين، وفطم العباسيون أنفسهم عن الحليب واللبن وعبدوا الأحمرين: الخمر واللحم، وآمن المتنبي ومعاصروه بمملكة اللحم والدم، أما الشيخ محمد وأضرابه من أهل هذا الزمان فأخلصوا لمملكة الروح: تُبّاعاً للجمال، وأنصاراً للحلال، وخدّاماً للبيت الحرام. أخلصوا لعمود الشعر وعروسه وما تنكبوا عن طريق السلف المعبدة ■

ـــــــــــــــــــــــ

■  نشرت بجريدة (الثقافية) ، العدد (407) في 1/11/2007م

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 كلمات: الدكتور ابن عبود العمودي ، لحن وغناء: عبود زين