شريط

14‏/10‏/2010

المشهوري صاحب العود

الفنان زين راجل لزين راجل رخامة صوت الزاجل ، في صوته شجو وتطريب ، وفي صوت زين وضوح مقبول ، ومدّ مفرح ، وفيه صفاء مع خنّة مستحبة كانت من متطلبات الغناء بمقاييس زمان. إن المادة الخام المصنوع منها صوت زين غالية وغير متوفرة. يذكرني صوت الراجل بطرب لحج الأصلي الأصيل. له صبابة حالية لم أجد مثلها إلا عند المسلمي ـ رحمة الله عليه.

وزين عازف عود ماهر ، لا تشبع من عزفه البديع ؛ في عزف زين كل الحلا والزين: نغم صافي ضافي ، وريشة لا تخطيء الوتر، وفي تصبيعه إتقان ينمّ عن حذق ومهارة ، وفيه شجو مُرنٍّ لا يُمَل ، تعيده على مسمعك مرات ومرات فلا تشبع منه. زين في الأصل عازف عود ويمكن تصنيفه ضمن الطبقة الثانية مع السرحاني والشيخ يحيى العقربي وفريد حمدون. مارس الغناء من مدة قصيرة فأبدع.

إذا طلبت الطرب اللحجي المؤصّل وجدته جارياً متدفقاً من حناجر وأصابع فضل محمد وفيصل علوي والدباشي وأقرانهم. وهذا زين راجل (دباشي) عصرنا في عفوية أدائه، وهو (فضل) أيامنا في رنّته وخنّته. أهداني الفنان الراجل أربعة كاسيتات من غنائه فاستمعت لها واستمتعت بكثير من الأغنيات.

يدرك هذا الوهطي الزين أن الدان لا يصلح مدخلاً لكل أغنية، وأنه لا يجوز التمويل بمطالع كل الأغاني؛ لذلك كان الراجل موفقاً في اختيار الكسرات لـ"داناته". ومن أحلى الأغاني التي يؤديها زين هيالفقيد الشاعر احمد عباد الحسيني شاباً (ياشاكي غرامك): 

يا شاكي غرامك ، ياباكي هواك / مَن يسمع كلامك ، مَن يقبل شكاك

                        يا ما قد بكى / قلبي واشتكى

من نار المحبة ذي تضرم ضريم / يا شــاكي غرامك قلبك لك غـريم

لطالما سمعت هذه الأغنية من مطربين كبار بينهم فيصل علوي ، لكني ما طعمتها إلا من حنجرة هذا المطرب. أي بالله، لكأنك تتذوق من حنجرة هذا الزين المشبك الوهطي ذي العلامة التجارية المميزة: "صنع في بيت الهيش". إنك في صحراء الوهط ، فإذا سرت القريحة سارت محلتية ، وإذا امتطى الطرب صهوة الفن كان (حمدونياً) ، وهو (المشهوريُّ) إذا ترجّل.

تصاحب الراجل إيقاعات تنمّ عن حذق ضاربوها وإبداعهم ، وصاحبنا لا يغمط الكورس حقه ، فهو يدري أن للكورس معناه وغايته ، لكنه لا يهتم بانتقاء أصوات الكورس. ومن مآخذنا عليه: عدم التزامه بغناء الأبيات مرتبة، وقراءته الخاطئة للنصوص المغناة مثل: "دم يا ورش غاني" والصحيح (هاني)؛ وإقحامه أسماء أصحابه في الأغنية إرضاء أو تملّقاً كالصراخ :"وازجر" وهو أمر غير مُستحب حتى في المخدرة. لكنه في بعض خطأه جميل كغنائه : " مِن يِسمع كلامك، مِن يِقبل شكاك" بكسر ميم (مَن) وياء المضارع ، ونحن نقبلها منه لأنها طريقة أهلنا المزارعين في الكلام. وقد أبدع زين في أداء أغانٍ بعينها مثال: (يا شقي في يوم عيدك) ، (اسألك بالحب يافاتن جميل) لأحمد عباد الحسيني، و(أنا حبك ياسلام) للقمندلن، (متى ياكرام الحي) ، (منقب صدفة لاقيته) و(ليه يازين ماشان) لعبده عبدالكريم. وفي (حبيتك ونا ما اعرفك) لابن هادي سبيت أبدع الراجل أيما إبداع، وأشهد أني ما طعمت هذه الأغنية ، على كثرة من غنوها، سوى من صوت الراجل. أما لحنها فعجيب ، كان صوته في أدائها متدفقاً كماء (مجاهد)، حالياً كحلوى الوهط :

كأني إلا اعرفك من زمان / ما أحـلاك ما ألطفك

حبيتك وانا ما اعرفك

مَنْ حَبك حظي واشتهر/ والرحمـن  ذي  شرّفك

حبيتك وانا ما اعرفك

إن هذا الطرب ينعش النفس منا ، ويجدد الذاكرة ؛ فيه تأريخنا ، ماضينا الجميل حيث المرح يقفز من سطور القصيد ، فيمدُّ الصدقُ يديه ليتلقاه متبسماً:

قالوا لي: كفـايه جنان / هـذا قط مــاشي يبان

ذا موصوف ذا بوفلان / يا مجنون أيش اكلفك؟

وأشد ما أعجبني من غناء الراجل (غزلان في الوادي) للقمندان. غناها فوقعت النقطة عن رأس الزين وسار حاسراً فقرأتها: (وراجل بلبل الروضة رخيم) :

غزلان في الوادي وزاجل بلبل الروضة رخيم / يا خـاطري لما مـتى عـادك مولّع به تهيم

نار الهوى من فرقته تكوي فؤادي جيم ميم / ومبسمه فيه الدواء يطفي اللهيب سكر وليم

إن الجمال كل الجمال يكمن في البساطة ، واللحجي بسيط وخفيف ، انظر إلى تلك الاستعارة الشعبية حين  يكون الحبيب كالدواء الشعبي الناجع:سكر وليم. ولا يحيد مطربنا عن هذه البساطة حتى في معاملاته اليومية.  لقد جمع (ابن مشهور) في أدائه نقاء والتماع رمال أكواد (عورره وبئر حيدرة والمكشاحية)، تلك الجالسة فرِحةً على حافتي عُبري (مجاهد) و(عابرين). نحن الذين نشأنا على طرب فضل محمد اللحجي والدباشي وفيصل علوي والقعطبي والمسلمي ومحمد سعد عبدالله نستطيب غناء الزين الراجل لأنه زاخر بالعفوية و"المحلية" والحلا والبساطة والجمال.

في اسم (راجل) ما يعبر عن بساطة الرجل المعتمد على ساقيه – وريشته ، وكما هو ماهر في النحت على عود الخشب ، هو ماهر في الضرب على عود الطرب. ولو شئنا كلمة مختصرة قلنا: إن طرب (بن حمودة) ملوكي ، لقد جمع في صوته وأدائه وعزفه طُرَفاً من محاسن الطرب اللحجي الأصيل

13‏/10‏/2010

الصنعاني .. فمُ الطرب

عدن ، الأربعاء ، ‏30‏‏/‏06‏‏/‏2005‏

محمد سعد صنعانيقُبِضَ أبونا في عيدين: أضحىً مبارك ، وتموز جباّر .. وجاء عيده الأدبي في (يوم الربوع)، وفي هذا الصيف القائض ، الصيف الذي يضيّع اللبن.

محمد سعد فم الطرب ، إنه لحجي ؛ ولحج هي نبع المعرفة الصافي المتجدد ، وهي نهر الطرب الحي. على قممها السود نصبَ بنوها عروشاً لودٍّ ونكرح مناراتِ هدىً أولى، وفي بطون وديانها السيالة جعلوا لعبقر مسكناً مقدساً ، ومن جمال سفوحها العامرة بالخضرة والثمار نظموا أناشيدَ وأغانٍ ألهمت العالم وما تزال ، ومن بخورها وعفصها والفاغية حفروا لأيزوس وعسرخ في ذهن الأسطورة مجداً عالمياً عاليا.

ظلّت الأغنية اللحجية زمناً ترفل مزهوّة في ثوب (شيناوي) قمنداني بديع كذاك الذي اشتراه العبدلي لصاحبته (عيشة):

          تقول (عيشة) تبأ الاّ ثوب شيناوي وعقده زين  /  يا مَن يبأ عند (عيشة) يطرح الألفين

 

ولكن من القديم ما لا يعتق .. وهذه أغنيتنا اليوم تلبس على أيدي الصنعاني واخوته (ويلاً) جديداً شفافاً مشجّراً، ألوانه تسرّ الأذن والعين والخاطر.

ما أن نصل بوابة ستينات القرن العشرين حتى يطلع (أبو اسمهان) من ثنايا الندوة اللحجية يعدو به الوتر في ميدان التلحين، ونرى اللحن يلبس جديداً. إنّ الصنعاني في ميدان التلحين ثالثُ سبعةٍ إذ هم في بطن العود: عبدالله هادي سبيت الشاعر الثائر المجدد المُجيد، وفضل محمد اللحجي الموسيقار الشهيد، وأبو عبدالمجيد الأمير عبدالحميد، والأمير محسن بن احمد مهدي، وصلاح ناصر كرد، وسعودي أحمد صالح، ولا بأس من أن نضيف إلى هؤلاء عيسى وكريشه وحنش ومهيد وابن عنكاو؛ فعلى يد هؤلاء جميعاً يستقيم دورٌ متين آخر من أدوار الغناء اللحجي.

أدرك الصنعاني باكراً أن الأغنية اللحجية هي عنوان الطرب العربي كلّه ، وهي أصله وفصله وسرّه. وعلِمَ – وهو المتخصص المختص - أنْ ليس لبلد في المسكونه أكثر من إيقاعين اثنين أو ثلاثة ، في حين تزخر لحج بأكثر من عشرين إيقاع رئيس أو يزيد ، فنهض حِسّه الأصيل ليضع ألحان:(بالعيون السود) و(كان يا ما كان في ماضي الزمن كان لي محبوب) ، و ( دق عودك غنّ يا بلبل تبن) متجاوزاً (ربع التون) قصد تمكين غير العربي من استساغة واستطابة لحننا اللحجي العجيب.. وخرج اللحن من دهاليز الزمن السليماني ، والعباء القمنداني إلى فضاء رحب آخر.

.. ولما رأى (أبو عبدالقوي) أهل بلدته ، بكل موروثهم الثّر ، منطوين على أنفسهم ، يخبطون في العفوية والمحلية ، قد مسّهم التحنّط بشرّه ، ينظرون إلى الوراء ، خشي أن يمسخهم الله أعمدة من ملح كما فعل بامرأة لوط ، فهبّ يعلمهم التدوين الموسيقي (النوته) كي يُسمِعوا العالم ما أبدعته الروح اللحجية الحالمة من فنّ ، ومن شعر ، ومن فكر، وليتدربوا على طعم فن الآخر والتطعّم به ؛ لأن التطعيم خير الوسائل لترقية الأنواع.العازف والملحن صلاح كرد

وكانت للصنعاني درايةٌ كافية باللغة وصرفها ونحوها. ما كان ، رحمه الله، يلحن في القراءة أو يتقرّأ في اللحن. إذا غنى الفصيح سعدت الفصحى بغُنائه وغِناه. مكّنته معرفته للغة وأسرارها من إتقان اختيار النصوص، وقادته نفسه الشاعرة وبصيرته بخوافي الكلم إلى خلق الروائع.

إنّ الشعر موسيقى ، ولذلك قالت العرب: أنشد فلان قصيدة. وقد كان الصنعاني شاعراً مبدعاً استطاع إنشاد القصائد. ودلتنا حسن قراءته الموسيقية للشعر على مكانته المتميزة في صرح الغناء اللحجي. ليس قراءة النص موسيقياً بالأمر الهين بل هي تتطلب إدراكاً بعيداً لمعنى النص ، وبمقدار عمق فهم النص يكون جمال اللحن. والأصعب من ذلك وضع المقدمات الموسيقية للأغاني ، وهذه تعني قراءة معمقة ثانية للنص الملحن ، لا يقدر عليها سوى قلب موهوب متفرد ، وقد أبدع الصنعاني في هذا وفي ذاك وأجاد ، ويكاد لا يدانيه أو يقاربه في موضوع المقدمات في بلدنا أحد.

أما في اللحن فدونك رائعة عبدالخالق مفتاح "بالعيون السود" التي قرأها الصنعاني موسيقياً فكانت درّة فريدة انتظمت في عقد الغناء اللحجي، تحلّت بها العواطلُ الحسان ، وكانت (لَبّةً) على صدور بنات (لِحْسان)، وازدانت بها العمامة العبدلية. وأما من حيث المقدمات الموسيقية فيكفي أن أدلك على "لوعتي"، وأخواتها كثار.

الملحن محمد سعد صنعاني2وفوق ذلك حبا الله الصنعاني صوتاً أسراً فيه شجىً وشجن حلوٌ نادر، وفيه صفاء ماء السماء ، وموسيقية ابن كلثوم، فجاءت ألحانه وأغانيه كأنها الشهد المصفى. وأنت لا تعدم مع الصنعاني تلك الروح اللحجية المرحة حيث يضفي على النص المبتسم مرحاً وحسناً عجيباً. استمع له وهو يلقن مستمعه تلقيناً:

 

كحيل العين جاهل زين أقلش / وفي خده رأيت الورد أفتش

وتفاح الوجـن حـالي مقرمش / فسبحان الذي صوّر ونقّش

ويمشي زين زين ـ كحيل المقلتين ـ ولا ادري أين أين

كحيـل العين بالواله مرشرش / عليــــه مدكــــــم ومدحـش

أنظر، إن "رأمشة" الشاعر والملحن/ المغني ظاهرة. حاولا تزيين الزين في عيون السامعين، وناديا على بضاعتهما: "اشتروا منّي كبزرة لحجي".. وكما تدافع العشاق وتداحشوا للظفر بالزين المنقّش، تداحن الشعراء والمغنون وتدافعوا للفوز بروائع الصنعاني الحسان. وكما استخرج مسرور بن مبروك من نار (عبادي) المدفونه درراً، واجتلى القصائد على القات المُبَرّح والمداعة، استوحى (أبو عبدالقوي) من سكون ليل الحوطة المحروسة ندى الفجر وسلاه، فكانت سلوى وندى و اسمهان ألحاناً لحجية اصطفّت إلى ألحان: (بكشفه للثام) ،(إن خلف لي الخل وعدا)، (دق عودك غنّ يا بلبل تبن)، و ــالشاعر عبدالله سالم باجهل1

 

لوعتي والحب والهجر الطويل

يأمروا دمعي على خـدي يسيل

والهوى عـذّب فؤادي والجميل

ما رحمني صاحب الخد الأسيل

آه ، كم زمن الفضائيات هذا مفيد. إنه خير زمن لمجد الأغنية اللحجية؛ لن نبقي عليها "برتقالة" ولا "جنظاله"، وسنملأ الدنيا شعراً وطرباً غالياً يشبع العقل والوجدان ، فمن لأغنيتنا بصنعاني آخر يسمعها للعالمين؟

لقد نفخ الصنعاني من روحه فيما وضع من ألحان، فأرانا في كلّ لحنٍ إبداعاً وفرحاً ، وفي كلّ جملةٍ موسيقية حياة لحجية تمور بالدفء، وبالمحبة والسلام.

.. ولما كان لإبن السلطان جرامفوناً، اصطنع الولد محمد لنفسه من علبة الكبريت الفارغه حاكياً يهاتفه ...

وكبُرَ المعلم الفنان مسحولاً من متردّم الدار إلى باحة المسجد.. هو شقاء من تدركه حرفة الأدب..

لا يُكْبِرُ التاريخُ شعباً لم ينلْ / أدباؤهُ حظـّاً من الإكبار

ليس ملكوت الفن أكلاً وشرباً وتخزيناً، بل وحياً وإلهاماً. أما رأيتم كيف قدّر الصنعاني الصمت واستوحاه ؟! إنّ الطبّال والزمّار يضخّمان صيت العرس ، ولو كان الحريو أسوداً أنوداً كصاحبة الشاعر الدميح ...

لقد امتلأت حياة أبينا بالروائع التي تزهى بها الفضائيات، وتفخر بها لحج كل الفخر. إنّ (أبي سلوى) ركنٌ من أركان نهضتنا الأدبية والفنية، وهو واحد من رجالاتنا الذين يُحَدّونَ من الجهات الأربع ■

 

ــــــــــــــــــــــ

■  كلمة ألقيت بمقر اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بحوطة لحج في ذكرى وفاة الفقيد في ‏30‏‏/‏06‏‏/‏2005‏ ، ثم نشرت بجريدة (الأيام)  العدد (2128) السنة 26 في 25/6/2007م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

imageأغنية ( لوعتي ) كلات: سال با جهل ، لحن: محمد سعد صنعاني ، غناء: عبدالكري توفيق

3‏/10‏/2010

عبدالرحمن ابراهيم .. الكتابة بلون الحُسْن

قراءة في ديوان " مزاج الهدهد "

جريدة (الثقافية) العدد (240) في 29/4/2004عبدالرحمن ابراهيم

قال الراوي: كان أهل الجاهلية يعتقدون أن الناس يُحشرون ركباناً على البلايا ، ومشاة إذا لم تعكس مطاياهم عند  قبورهم ؛ فهل خشي أهل الشعر الحر أن يحشروا مترجلين حتى عكسوا رقبة القصييدة وعقروا قوائمها ؟!

عبدالرحمن ابراهيم شاعر حديث ، وشاعر الحديث لم يعد اليوم شاباً حدِثاً ، ولكنه ما يزال يملك حلماً ، يصحّ فيه قول الشاعر:

          وما الحداثة من حلمٍ بمانعةٍ  /  قد يوجد الحلم في الشبان والشيب

في ديوانه الأخير "مزاج الهدهد" شعر وحكي ، وفيه "فرّدانية" وجدانية ، وهمس وصراخ معاً. وفي الديوان تفتيت لإطار الخليل ، وتجريب للبتر والفراغات ومزاوجة للقصيدتين العمودية وقصيدة التفعيلة ، وفيه تجريب حتى للقصيدة البصرية. المقابلة بالثقافية

في الديوان الحالة غير منظمة والفكرة تهرب من الفكرة وتناقض الحدس أحياناً في القصيدة الواحدة مما يكشف حال الشاعر المبعثرة ونفسيته المضطربة. تدخل ديوان عبدالرحمن من بابه فتجد نفسك مترنحاً في مناف ، وتمرُّ بشجن القصيدة أو يمرّ بك الساخطون على نهديها فإذا أنت مهتدٍ بالضلال حيث ينكرك البحر أو تنكره ؛ وتصل محراب الديوان فتلقى الطفولة قطة شمطاء ، ويمنحك الهدهد بعضاً من هدىً وهديل.

في حضور الهدهد يتذكر الشاعر خرافة رغبته ، يتذكر زوجه التي تغرس خنجر الأمل في صحوته الخرافية وتعينه على هبوط نسبة السكر في دمه المقهور؛ ويبلغ الضلال مرهقاً فيعلن:

         يمجدني ــ حين يمش السراب 

         إلى خطوة من ضلالي ــ

         ابتسام الهدى والهدى غيض

         حلم يراه عمائي

         أنشروني سجوداً على قبلة للهدى

في " نبيذ المنافي" ترجيع لمهيار الأدونيسي ، وإذا لم تكن هناك من صلة ما بين الدمشقي والديلمي عند الأستاذ ، فإن ما بين مهيار وابراهيم صلة دم وماء ونار صاخبة ذاب فيها مهيار في صخور اعتراف الشاعر وقاسَمَهُ نبيذ المنافي: غلاف الأعمال الكاملة ع ابراهيم

         لم يعد بعضي غير نزف

         في صحارى الذبول

         لم يعد بعض بعضي غير جمر

         في رجاء شتائي

         ليس لي غير التراجيع تسيّج

         ذاكرتي الغافلة.

يهبع ابراهيم وراء(إسبر) مقلداً " اغاني مهيار الدمشقي" ، وإذا كان أدونيس في هذا الديوان قد تجاوز المقاييس المعروفة فأرانا بطل مجموعته جباراً يغسل أقدامه في البحر ويطاول حدود اللانهاية ، وثائراً يهدم ويبني ، فإنا نرى ابراهيم في "مزاج الهدهد" صاحب رسالة أيضاً ــ على ما بين لغة الشاعرين من مراح. يحاول ابراهيم أن يتجاوز المقاييس هو الآخر ويجرّب ويمارس الأستاذية كما قال استاذه فيه ، ولكن بمزاج هدهدي كثيراً ما يجرح القصيدة. نجد الشاعر وجعاً مشيّداً في منافي النبيذ. نجد ابراهيم البطل المقهور/المضروب/المسروق بيته و"قاتة حلمه"/المذبوح حسداً على مقعد الأكاديمية/ المُقـاد عنوةً إلى ملح الجفاف ..

         واحداً صرتُ

         أسقط في بئر ذعري

         حولي الموت يصلّي

         المراثي خبرتي والأنين 

          ضيائي

نزلوا عليه من علٍ، ووقفوا ندّاً واحداً كوقفة سيل الوادي في طريق العابرين فاحتمى بالمزمور الأدونيسي وفيه الكثير من المفاجآت:

         وقعُ قلبي مزامير تبكي 

         هل أسير إلى حقل رؤاي؟

         هل أهاجر كي تستبقني

          لعنة

         مندحرة؟

إن الشعر الغنيّ هو ذاك الذي يتضمن نوعاً من المفاجأة ، وكما في مهيار تمثيل لشيءٍ من قلق العصر والمصير والحرية ، نجد في مهيارنا العدني تصعيداً للألم إلى داخل قلب الشاعر والقارئ فيغتمّ كلاهما، وكأنما هو عقاب للنفس. هوذا ابراهيم يصل إلى تخوم وجع نكسة نفسية حادة فنلمس جلال الوجدان الشعري حيث الكلمة تولد جديدة، وحيث الصور تتناسل بكسوة أنيقة ، وحيث البساطة تغدو دثاراً وإطاراً بديعاً ، يزيده روعة هذا التوزيع العذب للأبيات الذي يعبر عن صراخ عال وتقطع للنفس حال النشيج:

         نصف مهيار دائي

         ونصف

         دوائي

         وصداقاتي الذائبة

         نصف مهيار رفيقي

         حزب يومي ،

         غدي

         آه كم دثرتني المنافي!!

         آه كم مزقتني خطوط

         ندائي!!

شأن غيره من شعراء جيله ، يلعب إبراهيم بالتفعيلة وكثيراً ما يفلح في توظيف الموسيقى لخدمة المعنى ، أو إخضاع رقبة القافية لحمل معانيه اللاهبة.. وشاعرنا نزّاع إلى اشتقاق مفردات جديدة: ينحت من الأسماء أفعالاً ولا يعتـدى على الجوامد، مثال:" يستنبذ الإعصار قطر شفاعتي"، " تتعنكب الموجات فوق هواجسي"، " هبطت هام المتماردين إلى قاع الوهم"، " تعتاش به سرائرهم" ، "صرير السجائر" ن ومع ما في هذه الصور من غرابة رمزية لذيذة إلا أن الإعصار لا يثستنبذ ولا الموجات تتعنكب ، ودعيُّ التمرد لا يطللق عليه متمارداً ففي ذلك نبوّ عن الذوق وتسطيح للمعنى ، وأما تعتاش فلا تعني غير العشي وهو ضعف البصر والصحيح تعيش وتتعيش، وأما الصرير فلا تصلح إلا للحشرات وفي السرير.

ولما كانت التجربة الشعرية تكون شكلها بذاتها ، ومن طبيعتها يتولد التعبير ن فإنا نلتقي في " منافـي النبيـذ " شاعراً " مُستنبذاً " مهزوماً ضالاً، لا يحسن توقيع خطواته ، تنازعته الفيافي والمنافي ، وتداولته الأوزان حتى لا تجده على بحر:

         في منافٍ ومنافي

         شيدوا وجعي

         ليس لي غير صمتي

         ليس لي غير لمع الظلام

         شاحبات دموع شمعي

         كلما قطرة من شعاع داهمتني

         تموتُ بوارق أبهى

إن الشاعر رسام يراعي حسن الجوار بين ألفاظه وانسجامها فهي الوانه ، ويحسن توقيع موسيقاه فهي الظل والنور في لوحته ، فلماذا لم يُجْرِها على " فاعلن فاعلاتن"؟ نعم لقد بلغ الشاعر في هذه القصيدة حدود التعب القصوى. يشي النص كم صاحبي ثقيلاً لساناً وجرْساً وفكرة ، خلت روحه من التطريب، وما أجمل الحزن الطروب؛ وعاف وجدانه التوقيع على الزمن ، إذ هو لا يشعر به.

ويجرب ابراهيم البتر لإبراز الحيرة والتردد النفسي والصراع الداخلي كما في قوله:

         هل تشرب اللحظات

         طازجة

         أم اللحظات تشـ...؟

ولا احسب تكملتها "تشرب نفسها".. ويستعمل الصمت لا لإتمام التفعيلة بل لكي تمنحه التقاط فرصة للتأوه والتحرر من بعض الضغط على أعصابه ، وتهبه فرصة للتذكر ، ولإذابة التفاصيل:

         دخلوا في عناق داكن

         دخلوا في شجار باسق

         دخلوا في انبهار عقيم

         دخلوا في .....

         دخلوا في ....

في القصيدة العمودية لا يكون المكتوم جزءاً من القصيدة ، وإذا أراد الشاعر أن يكثف معنى تجنب الحذف وصاغ تعبيره صياغة محكمة واجتنب الحشو ، أما في الشعر الحر فيستعين الشاعر بالفراغات والنقاط للتغلب على ذلك. إن الفراغات والنقاط تحول القصيدة من مسموعة إلى مرئية وهذا تكليف للشعر غير محمود ، وإنما تكون جميلة إذا ما جاءت تفسيراً لقول الضفدع في فمي ماء.

ومن تجاريب ابراهيم الموفقة المزاوجة بين الحر والعمودي حيث يتم الانتقال من الصحوة الهازلة إلى اللحظة الراهنة عبر مخافة بديعة فيها للصورة طعم لذيذ وللطباق لون حسن ، وكان لابد من فراغ ونقاط كرابطة منطقية بين صورة الذكرى والحاضر المر:

         تتدحرج غفوة أنثى

         تسحبني؟

         إلى أين؟

         إلى صحوةٍ هازلة

         دواءٌ أصبح القهرُ / فلا نهـدٌ  ولا سُكْــرُ

         يباباً صارتِ الدنيا / ومنفىً أصبح البحرُ

في قصيدة " القطة" أراد الشاعر أن يكون (Independent) قلباً ويدا ، ولكن القلب شرقيّ والنفَس ؛ تتدفق موسيقى القصيدة كسيل الوادي الذي لا يقطعه قاطع ، والتدفق الموسيقي من سمات الشعر الحر ، ولكن الشاعر يمزقها ليضيف إلى قبح الرمز قبحاً آخر:

         القطة الشمطاء زافرة

         ومواؤها في لجة العصر احترق

         القطة الشمطاء يائسة

         صارت شعوباً من ورق

         وا غربتاه!!

         يا هدهدي

         يا للحمق!!

يحمل هذا النداء نفساً عامياً عميق الشجو ويذكرني بعبدالله سلام ناجي وراعيته.

عندما أنثر قصيدة جاري أجد نثراً أشهى من الشعر ، وما وجدته شاعراً إلا في عموده الذي يستحي به أمام القراء حيث يضع قصيدة " هدى الهدى " في آخر الديوان لتكون طين الديوان لا مسكه ــ بحسب ترجمة شعوره. في عمود عبدالرحمن ابراهيم شعر خالص ، أحلى وأغلى من عقد خالصة الضائع ، وفي " حُرّه " كثير نظم وصناعة ، ومردّ ذلك إلى انه قد عاش التجربة في هدى صادقة عميقة فانسكب انسكاباً:

قد هـداني الهُدى للجمال

عن ضلالي فانزال عني الحجابُ

الهُدى وحدها هديـلٌ جميـلٌ

وحيـاتي بــلا هديــل خـرابُ

والأماني، أنت الأماني العذارى

والأغاني، أنت الأغاني العِذابُ

أنظر كيف يتنكر الشاعر لقصيدة العمود ، ويستحي أن يرصّها صدراً فعجزاً متقابلين ، بل هو إمعاناً في الهروب يجعل لها هيئة عصرية. لِمَ المكابرة؟ إنّ هذه القصيدة هي وحدها عنوان ديوان عبدالرحمن ابراهيم ، وفيها وحدها بلغ حدود الشعر؛ والتجربة والمعاناة والحرمان تنتج شعراً رائعاً ، فلا حرم الله شاعرنا من الحرمان.

الديوان وجه البيت وعنوان سكانه ، لذلك وجدتنا نفرشه بالجوادر والوسائد من العطب المندوف ، ونبالغ في تزيينه وتبخيره بالبخور اللحجي الذي يطرد الجان ويجلب الدان ، كل ذلك لنفرح ضيفنا فيحس بمقدار فرحتنا بزيارته ، ونحن مزارعون يا صاحبي وخير بضاعتنا على وجه السحّارة.

الشعر عود أوتاره ألفاظه ، يدوزنها الشاعر لتخرج اللحن الذي يود ، والشاعر عازف ملهَم ، وفتّاح آفاق جدد. يلقي الشاعر بهاجسه في وديان المدى فتفيض نوراً ونغماً خالداً.

الشعر جميل في أي شكل جاء ، وعلى أي مقام جرى. أجرى العربي الأول بيت شعره على هيئة مربعته، وإذا جاوزه فإلى (الدكة) ، وما غادر (المردم)، ثم فتحت الهجرة الأندلسية الأولى مجاري هواء جديدة أنعشت الروح حين حلّ العربي دار الموشح ذي الخرجات والشرفات المتنوعة المحاطة بالأغصان والعناقيد والكروم كصنعاه. ثمّ فتح المهجريون آفاقاً رحبة وجددوا وتجددوا ، وصارت لنا في الشعر مدارس واتجاهات.

ليس من شروط الشعر أن يأتي في حلّة النابغة الجعدي إذا استلب ، أو الأمير القيسي إذا شرب ، ولا في هيئة الفرزدق متى غضب. ولا أن يطل علينا في أهاب شكسبير ولا إليوت ولا بودلير ؛ لا اعتبار للشكل إلا بمقدار خدمته للمعنى. لكل عصر لبوسه وبنيانه ، وليس اكره من أن يستجرّ الشاعر معاني القدماء وصورهم.

الشاعر محمد حسين هيثم جميل يبقى الشعر ما حوى النغمة الحالمة ، والمفردة النابضة ، والصورة الناطقة ؛ وعظيم يظل الشاعر ما قيّد الفكرة الشاردة ، وأذاب روحه في أقانيم الطبيعة واتحد ، ورأينا كلماته ــ كما عبرت الشاعرة الفرنسية مدام دي نواي ــ " تسير متشابكة متساندة هاتفة كأنها ذوات أفواه متفجرة كالينبوع المتدفق". بلى ، وللمبتدع ينبوع يستقي منه ، وله بصر ينفذ إلى القعر ، وما عشيت عين الهوى من عبدالرحمن ابراهيم بالنظر، فالماء جارٍ على ظهر الحبيل ، وإذا استعار بصر "الهدهد" فذلك لأنهم يزعمون أن الهدهد يرى مجاري الماء تحت أديم الأرض وهو طائر في الهواء. 

والخلاصة أن في أبي ‘إلزا" حسناً في شعوره وفي شعره ، وقديماً قال بشار أن لون الحُسن أحمر .. سلمت يد شوقي ، وعاش ذوق هيثم ■

 

ـــ  نشرت في جريدة (الثقافية) العدد (240) في 29/4/2004

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ