شريط

14‏/10‏/2010

المشهوري صاحب العود

الفنان زين راجل لزين راجل رخامة صوت الزاجل ، في صوته شجو وتطريب ، وفي صوت زين وضوح مقبول ، ومدّ مفرح ، وفيه صفاء مع خنّة مستحبة كانت من متطلبات الغناء بمقاييس زمان. إن المادة الخام المصنوع منها صوت زين غالية وغير متوفرة. يذكرني صوت الراجل بطرب لحج الأصلي الأصيل. له صبابة حالية لم أجد مثلها إلا عند المسلمي ـ رحمة الله عليه.

وزين عازف عود ماهر ، لا تشبع من عزفه البديع ؛ في عزف زين كل الحلا والزين: نغم صافي ضافي ، وريشة لا تخطيء الوتر، وفي تصبيعه إتقان ينمّ عن حذق ومهارة ، وفيه شجو مُرنٍّ لا يُمَل ، تعيده على مسمعك مرات ومرات فلا تشبع منه. زين في الأصل عازف عود ويمكن تصنيفه ضمن الطبقة الثانية مع السرحاني والشيخ يحيى العقربي وفريد حمدون. مارس الغناء من مدة قصيرة فأبدع.

إذا طلبت الطرب اللحجي المؤصّل وجدته جارياً متدفقاً من حناجر وأصابع فضل محمد وفيصل علوي والدباشي وأقرانهم. وهذا زين راجل (دباشي) عصرنا في عفوية أدائه، وهو (فضل) أيامنا في رنّته وخنّته. أهداني الفنان الراجل أربعة كاسيتات من غنائه فاستمعت لها واستمتعت بكثير من الأغنيات.

يدرك هذا الوهطي الزين أن الدان لا يصلح مدخلاً لكل أغنية، وأنه لا يجوز التمويل بمطالع كل الأغاني؛ لذلك كان الراجل موفقاً في اختيار الكسرات لـ"داناته". ومن أحلى الأغاني التي يؤديها زين هيالفقيد الشاعر احمد عباد الحسيني شاباً (ياشاكي غرامك): 

يا شاكي غرامك ، ياباكي هواك / مَن يسمع كلامك ، مَن يقبل شكاك

                        يا ما قد بكى / قلبي واشتكى

من نار المحبة ذي تضرم ضريم / يا شــاكي غرامك قلبك لك غـريم

لطالما سمعت هذه الأغنية من مطربين كبار بينهم فيصل علوي ، لكني ما طعمتها إلا من حنجرة هذا المطرب. أي بالله، لكأنك تتذوق من حنجرة هذا الزين المشبك الوهطي ذي العلامة التجارية المميزة: "صنع في بيت الهيش". إنك في صحراء الوهط ، فإذا سرت القريحة سارت محلتية ، وإذا امتطى الطرب صهوة الفن كان (حمدونياً) ، وهو (المشهوريُّ) إذا ترجّل.

تصاحب الراجل إيقاعات تنمّ عن حذق ضاربوها وإبداعهم ، وصاحبنا لا يغمط الكورس حقه ، فهو يدري أن للكورس معناه وغايته ، لكنه لا يهتم بانتقاء أصوات الكورس. ومن مآخذنا عليه: عدم التزامه بغناء الأبيات مرتبة، وقراءته الخاطئة للنصوص المغناة مثل: "دم يا ورش غاني" والصحيح (هاني)؛ وإقحامه أسماء أصحابه في الأغنية إرضاء أو تملّقاً كالصراخ :"وازجر" وهو أمر غير مُستحب حتى في المخدرة. لكنه في بعض خطأه جميل كغنائه : " مِن يِسمع كلامك، مِن يِقبل شكاك" بكسر ميم (مَن) وياء المضارع ، ونحن نقبلها منه لأنها طريقة أهلنا المزارعين في الكلام. وقد أبدع زين في أداء أغانٍ بعينها مثال: (يا شقي في يوم عيدك) ، (اسألك بالحب يافاتن جميل) لأحمد عباد الحسيني، و(أنا حبك ياسلام) للقمندلن، (متى ياكرام الحي) ، (منقب صدفة لاقيته) و(ليه يازين ماشان) لعبده عبدالكريم. وفي (حبيتك ونا ما اعرفك) لابن هادي سبيت أبدع الراجل أيما إبداع، وأشهد أني ما طعمت هذه الأغنية ، على كثرة من غنوها، سوى من صوت الراجل. أما لحنها فعجيب ، كان صوته في أدائها متدفقاً كماء (مجاهد)، حالياً كحلوى الوهط :

كأني إلا اعرفك من زمان / ما أحـلاك ما ألطفك

حبيتك وانا ما اعرفك

مَنْ حَبك حظي واشتهر/ والرحمـن  ذي  شرّفك

حبيتك وانا ما اعرفك

إن هذا الطرب ينعش النفس منا ، ويجدد الذاكرة ؛ فيه تأريخنا ، ماضينا الجميل حيث المرح يقفز من سطور القصيد ، فيمدُّ الصدقُ يديه ليتلقاه متبسماً:

قالوا لي: كفـايه جنان / هـذا قط مــاشي يبان

ذا موصوف ذا بوفلان / يا مجنون أيش اكلفك؟

وأشد ما أعجبني من غناء الراجل (غزلان في الوادي) للقمندان. غناها فوقعت النقطة عن رأس الزين وسار حاسراً فقرأتها: (وراجل بلبل الروضة رخيم) :

غزلان في الوادي وزاجل بلبل الروضة رخيم / يا خـاطري لما مـتى عـادك مولّع به تهيم

نار الهوى من فرقته تكوي فؤادي جيم ميم / ومبسمه فيه الدواء يطفي اللهيب سكر وليم

إن الجمال كل الجمال يكمن في البساطة ، واللحجي بسيط وخفيف ، انظر إلى تلك الاستعارة الشعبية حين  يكون الحبيب كالدواء الشعبي الناجع:سكر وليم. ولا يحيد مطربنا عن هذه البساطة حتى في معاملاته اليومية.  لقد جمع (ابن مشهور) في أدائه نقاء والتماع رمال أكواد (عورره وبئر حيدرة والمكشاحية)، تلك الجالسة فرِحةً على حافتي عُبري (مجاهد) و(عابرين). نحن الذين نشأنا على طرب فضل محمد اللحجي والدباشي وفيصل علوي والقعطبي والمسلمي ومحمد سعد عبدالله نستطيب غناء الزين الراجل لأنه زاخر بالعفوية و"المحلية" والحلا والبساطة والجمال.

في اسم (راجل) ما يعبر عن بساطة الرجل المعتمد على ساقيه – وريشته ، وكما هو ماهر في النحت على عود الخشب ، هو ماهر في الضرب على عود الطرب. ولو شئنا كلمة مختصرة قلنا: إن طرب (بن حمودة) ملوكي ، لقد جمع في صوته وأدائه وعزفه طُرَفاً من محاسن الطرب اللحجي الأصيل

13‏/10‏/2010

الصنعاني .. فمُ الطرب

عدن الأربعاء ، ‏30‏‏/‏06‏‏/‏2005‏

الفنان محمد سعد صنعانيقُبِضَ أبونا في عيدين: أضحىً مبارك ، وتموز جباّر .. وجاء عيده الأدبي في (يوم الربوع)، وفي هذا الصيف القائض ، الصيف الذي يضيّع اللبن.

محمد سعد فم الطرب ، إنه لحجي ؛ ولحج هي نبع المعرفة الصافي المتجدد ، وهي نهر الطرب الحي. على قممها السود نصبَ بنوها عروشاً لودٍّ ونكرح مناراتِ هدىً أولى، وفي بطون وديانها السيالة جعلوا لعبقر مسكناً مقدساً ، ومن جمال سفوحها العامرة بالخضرة والثمار نظموا أناشيدَ وأغانٍ ألهمت العالم وما تزال ، ومن بخورها وعفصها والفاغية حفروا لأيزوس وعسرخ في ذهن الأسطورة مجداً عالمياً عاليا.

ظلّت الأغنية اللحجية زمناً ترفل مزهوّة في ثوب (شيناوي) قمنداني بديع كذاك الذي اشتراه العبدلي لصاحبته (عيشة):

          تقول (عيشة) تبأ الاّ ثوب شيناوي وعقده زين  /  يا مَن يبأ عند (عيشة) يطرح الألفين 

ولكن من القديم ما لا يعتق .. وهذه أغنيتنا اليوم تلبس على أيدي الصنعاني واخوته (ويلاً) جديداً شفافاً مشجّراً، ألوانه تسرّ الأذن والعين والخاطر.

ما أن نصل بوابة ستينات القرن العشرين حتى يطلع (أبو اسمهان) من ثنايا الندوة اللحجية يعدو به الوتر في ميدان التلحين، ونرى اللحن يلبس جديداً. إنّ الصنعاني في ميدان التلحين ثالثُ سبعةٍ إذ هم في بطن العود: عبدالله هادي سبيت الشاعر الثائر المجدد المُجيد، وفضل محمد اللحجي الموسيقار الشهيد، وأبو عبدالمجيد الأمير عبدالحميد، والأمير محسن بن احمد مهدي، وصلاح ناصر كرد، وسعودي أحمد صالح، ولا بأس من أن نضيف إلى هؤلاء عيسى وكريشه وحنش ومهيد وابن عنكاو؛ فعلى يد هؤلاء جميعاً يستقيم دورٌ متين آخر من أدوار الغناء اللحجي.

أدرك الصنعاني باكراً أن الأغنية اللحجية هي عنوان الطرب العربي كلّه ، وهي أصله وفصله وسرّه. وعلِمَ – وهو المتخصص المختص - أنْ ليس لبلد في المسكونه أكثر من إيقاعين اثنين أو ثلاثة ، في حين تزخر لحج بأكثر من عشرين إيقاع رئيس أو يزيد ، فنهض حِسّه الأصيل ليضع ألحان:(بالعيون السود) و(كان يا ما كان في ماضي الزمن كان لي محبوب) ، و ( دق عودك غنّ يا بلبل تبن) متجاوزاً (ربع التون) قصد تمكين غير العربي من استساغة واستطابة لحننا اللحجي العجيب.. وخرج اللحن من دهاليز الزمن السليماني ، والعباء القمنداني إلى فضاء رحب آخر.

.. ولما رأى (أبو عبدالقوي) أهل بلدته ، بكل موروثهم الثّر ، منطوين على أنفسهم ، يخبطون في العفوية والمحلية ، قد مسّهم التحنّط بشرّه ، ينظرون إلى الوراء ، خشي أن يمسخهم الله أعمدة من ملح كما فعل بامرأة لوط ، فهبّ يعلمهم التدوين الموسيقي (النوته) كي يُسمِعوا العالم ما أبدعته الروح اللحجية الحالمة من فنّ ، ومن شعر ، ومن فكر، وليتدربوا على طعم فن الآخر والتطعّم به ؛ لأن التطعيم خير الوسائل لترقية الأنواع.العازف والملحن صلاح كرد

وكانت للصنعاني درايةٌ كافية باللغة وصرفها ونحوها. ما كان ، رحمه الله، يلحن في القراءة أو يتقرّأ في اللحن. إذا غنى الفصيح سعدت الفصحى بغُنائه وغِناه. مكّنته معرفته للغة وأسرارها من إتقان اختيار النصوص، وقادته نفسه الشاعرة وبصيرته بخوافي الكلم إلى خلق الروائع.

إنّ الشعر موسيقى ، ولذلك قالت العرب: أنشد فلان قصيدة. وقد كان الصنعاني شاعراً مبدعاً استطاع إنشاد القصائد. ودلتنا حسن قراءته الموسيقية للشعر على مكانته المتميزة في صرح الغناء اللحجي. ليس قراءة النص موسيقياً بالأمر الهين بل هي تتطلب إدراكاً بعيداً لمعنى النص ، وبمقدار عمق فهم النص يكون جمال اللحن. والأصعب من ذلك وضع المقدمات الموسيقية للأغاني ، وهذه تعني قراءة معمقة ثانية للنص الملحن ، لا يقدر عليها سوى قلب موهوب متفرد ، وقد أبدع الصنعاني في هذا وفي ذاك وأجاد ، ويكاد لا يدانيه أو يقاربه في موضوع المقدمات في بلدنا أحد.

أما في اللحن فدونك رائعة عبدالخالق مفتاح "بالعيون السود" التي قرأها الصنعاني موسيقياً فكانت درّة فريدة انتظمت في عقد الغناء اللحجي، تحلّت بها العواطلُ الحسان ، وكانت (لَبّةً) على صدور بنات (لِحْسان)، وازدانت بها العمامة العبدلية. وأما من حيث المقدمات الموسيقية فيكفي أن أدلك على "لوعتي"، وأخواتها كثار.

وفوق ذلك حبا الله الصنعاني صوتاً أسراً فيه شجىً وشجن حلوٌ نادر، وفيه صفاء ماء السماء ، وموسيقية ابن كلثوم، فجاءت ألحانه وأغانيه كأنها الشهد المصفى. وأنت لا تعدم مع الصنعاني تلك الروح اللحجية المرحة حيث يضفي على النص المبتسم مرحاً وحسناً عجيباً. استمع له وهو يلقن مستمعه تلقيناً:

كحيل العين جاهل زين أقلش / وفي خده رأيت الورد أفتش

وتفاح الوجـن حالي مقرمش / فسبحان الذي صوّر ونقّش

ويمشي زين زين ـ كحيل المقلتين ـ ولا ادري أين أين

كحيـل العين بالواله مرشرش / عليه مدكـم ومدحـش

أنظر، إن "رأمشة" الشاعر والملحن/ المغني ظاهرة. حاولا تزيين الزين في عيون السامعين، وناديا على بضاعتهما: "اشتروا منّي كبزرة لحجي".. وكما تدافع العشاق وتداحشوا للظفر بالزين المنقّش، تداحن الشعراء والمغنون وتدافعوا للفوز بروائع الصنعاني الحسان. وكما استخرج مسرور بن مبروك من نار (عبادي) المدفونه درراً، واجتلى القصائد على القات المُبَرّح والمداعة، استوحى (أبو عبدالقوي) من سكون ليل الحوطة المحروسة ندى الفجر وسلاه، فكانت سلوى وندى و اسمهان ألحاناً لحجية اصطفّت إلى ألحان: (بكشفه للثام) ،(إن خلف لي الخل وعدا)، (دق عودك غنّ يا بلبل تبن)، و ــ

لوعتي والحب والهجر الطويل

يأمروا دمعي على خدي يسيل

والهوى عذّب فؤادي والجميل

ما رحمني صاحب الخد الأسيل

آه ، كم زمن الفضائيات هذا مفيد. إنه خير زمن لمجد الأغنية اللحجية؛ لن نبقي عليها "برتقالة" ولا "جنظاله"، وسنملأ الدنيا شعراً وطرباً غالياً يشبع العقل والوجدان ، فمن لأغنيتنا بصنعاني آخر يسمعها للعالمين؟

لقد نفخ الصنعاني من روحه فيما وضع من ألحان، فأرانا في كلّ لحنٍ إبداعاً وفرحاً ، وفي كلّ جملةٍ موسيقية حياة لحجية تمور بالدفء، وبالمحبة والسلام.

.. ولما كان لإبن السلطان جرامفوناً، اصطنع الولد محمد لنفسه من علبة الكبريت الفارغه حاكياً يهاتفه ...

وكبُرَ المعلم الفنان مسحولاً من متردّم الدار إلى باحة المسجد.. هو شقاء من تدركه حرفة الأدب..

لا يُكْبِرُ التاريخُ شعباً لم ينلْ / أدباؤهُ حظـّاً من الإكبار

ليس ملكوت الفن أكلاً وشرباً وتخزيناً، بل وحياً وإلهاماً. أما رأيتم كيف قدّر الصنعاني الصمت واستوحاه ؟! إنّ الطبّال والزمّار يضخّمان صيت العرس ، ولو كان الحريو أسوداً أنوداً كصاحبة الشاعر الدميح ...

لقد امتلأت حياة أبينا بالروائع التي تزهى بها الفضائيات، وتفخر بها لحج كل الفخر. إنّ (أبي سلوى) ركنٌ من أركان نهضتنا الأدبية والفنية، وهو واحد من رجالاتنا الذين يُحَدّونَ من الجهات الأربع ■

 

المرفقات (1): 

• ( لوعتي ) كلمات (سالم باجهل) لحن (الصنعاني) بصوت عبدالكريم توفيق.(‏12590 كيلوبايت) mp3 تنزيل

■  كلمة ألقيت بمقر اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بحوطة لحج في ذكرى وفاة الفقيد في ‏30‏‏/‏06‏‏/‏2005‏ ، ثم نشرت بجريدة (الأيام)  العدد (2128) السنة 26 في 25/6/2007م

_____________________________________

imageأغنية ( لوعتي ) كلات: سال با جهل ، لحن: محمد سعد صنعاني ، غناء: عبدالكري توفيق

8‏/10‏/2010

سواعِفُ الغرام

الشاعر والملحن عبدالله هادي سبيت اللحجيالصناعنة وبنو تبني هم أول من ذاق معنى الحياة الشاعرة من بعد خروجهم المظفر من "الكامِل" وعليه. إنتفضوا على قصائد  الحنتيت والكبريت والمصطكى ، وثاروا في وجه موالد الجذب والضلال ، فكان لهم فضل إخراج أخيهم اليمني من كامل الرقاد المتعفن إلى أنوار القمر والنيون ، وأضواء العشق والسمر الحلال. دعوهُ إلى حلال الحب والحياة فاستجاب ، واستبدل ببياض  كيس النوم المُزَيَّت بالوباء ، والمُنَيَّل بالظلام طلْق الحرية وانطلاق النور وبياض الكفوف والخدود.

استبدلوا حزام الرصاص المطوق لخاصرته بوشاح النسيب ، وأمطروه بوابل من زنابق الربيع: أغانٍ عذبة ، وخواطر غرامية ، ومحاورات مع الأزهار والأطيار ، ودعوه إلى إهتبال الفرصة السانحة. نثروا فوق هامته الورد والريحان ، فولجَ معهم مدنية الإنسان، سيداً على الذات ، حرّاً مستقلاً ، متبوعاً لا تابعاً.

تجرأوا وما جددّوا. استجرّوا طباع الأسلاف الشعرية وساروا على خطى أصول شعر الغزل العربي الموروثة المعروفة، ووقفوا على أهمها: صدق العاطفة ، ونزاهة الموقف ، وبراءة الجرأة. آمنوا أن الحب سنة الحياة من قبل (جُرهم) ، وأن الخروج من ضلالات القرون كالخروج من ظلمات البطون ، بالمحبة والعمل الجريء والإيمان يكون. والمحبة عمادها القلب والوجدان ، والشعر لها ترجمان ؛ فكانت لهم فلذات مشكورة ، وسقطات معذورة وأخرى منكورة ــ والكمال لصاحب الكمال جلّت قدرته.

كره اليمنيّ ، شاعراً وغير شاعر ، السفحَ والطين ، ولَزَم رأس الحجر ، فجاء رأسه يابساً ناشِفَاً كمحيطه. حملَه المنطق القبلي على حفر كُوَّةٍ في الصخر ، وجعلَ لها مِشكاة ضيِّقة يقدر من خلالها أن يصرع أخيه ، عدواناً أو ردّاً للعدوان ، برصاصة أو ثنتين ؛ فكان من أهل الغاب بعيداً بفرسخين ! ولما كان الشاعر رسول أخلاق وأستاذ تربية ، المشرِّع المجهول للمجتمع ، وصوت الأمة الناطق ، فإنه لم يستسلم للعقل المحيط - وإن ظلَّ واحداً من عناصره . وزاد ، نُشداناً للحرية ، أن سامر صقور الجو وصاحب سـواعف الليل ونظر من علِ فبانت له الأمور على حقيقتها. ولأن الشجاعة سمة فرضها الظرف المعاش فقد كان الشاعر في مُقَدَّم الشجعان. وإذا كان للرصاص ودويِّه حضور في حياة القوم وفي أفراحهم ومسامراتهم ، فقد كان له أثر فاعل في شعر الشعراء ، نسيبهم وتشبيبهم ؛ وما اختلف شاعر عن شاعر إلاّ بمقدار.

استجابة للظرف المحيط كان الشعراء جميعهم شجعاناً ، ولكنَّ نفر منهم كانوا متمردين - والتمرّد في الشاعر سمة خير وبركة، شرط أن لا تخدش الحياء العام. هوذا اليافعي يحيى عمر، كأضرابه من المتمردين ، شاجع حتى في الهوى. يطرق طلباً للمعشوق ويرى في ذلك بطولة ورجولة ، ولا بدع إن افتخر بذلك فطريق الغرام قد عبّدها الأجداد "الموالعة". سما الجاهلي إلى صاحبته بعدما نام أهلها، و"تجَشَّمَ الأمويُّ السُّرى بليلة ذي دوران، واليافعي سليل أولئك ، و.."طريق الجد مدحوقة":  ضباب

يحيى عمر قـــــال والله ما دريت / أن الهــوى هكـذا يفعل معي

والله لو كنت أدري مــا اهتريتْ / إنّي مع العشق شاعر شاجعِ

ولا عادْ في بـــاحة العشقة دَوَيتْ / ولا تَسَمَّـيتْ يحيــى اليافعي

وفي الليالي الظليمة كـــم سَريتْ / معَ نـسور الهواء والسافعِ

بلى، ليس اليافعي أوَّل من سرى عاشقاً ، بل هو سائر في طريق الغرام التي سنها أبو الشعر العربي. دخل الجدُّ المؤسس خدرَ (عُنيزة) ، وقلَّده الأبناء فتسلَّل المخزومي إلى خباء (نُعم) ، وتدلَّى الفرزدق لصاحبته من ثمانين قامة ، وتبعهم الحفيد (الجمالي) فدخل حجرة الهندية و" شلّ الدان " في حُجرها :

قلت أشرِفْ / هًيا تفضّل واعطِفْ / لا تقلِفْ / أنْزُلْ ليحيى واطرِفْ / ذا المُدْنَفْ / هــــايم بحبك وحدي

قال لي ناه / ولا اعترف لي معناه / يا غُبْنَاه / كم ذا يعذّب مضناه / كيف اشناه / ومسكنه فـــي كبدي

يـا بـاباه / نفسي لك الجلابه / مُصْطَـــابه / لو كـان هـي مِضْـرَابه / منها بـاه / كَوْنْ الزَمَكْ في إيدي

قـــــال اسمع / صاحب شَلَوُهْ قوم اطلَعْ / لا تمنع / من العرب لا تفزع / لا تفجع / هذي بلاد الهندي

المغامرة والمخاطرة أهم شروط العشق ، والليل حليف الشاعر الولهان ، وستار المغامر ودثاره. وقد سرى هذا الأثر حتى بلغنا. قال العبدلي : 

       سرى العاشق سرى يِدْكَعْ ويِدْرَمْ / على راس الحنش يدعس ونابه

إنَّ اليافعي – باعترافه - مولعيّ كبير. هو لا يقوى على مقاومة الجمال؛ ولذلك فإنه لا يَنزِعُ بفزّاعات الأعراف ، ولا يرعوي للتقاليد. إذا رأى مليحة قدّم إليها طلبه، هكذا: معزبة المحرمي ـ يافع

يا فـائق الغيــــــــد يا (مُلكَمْ) /  كفـاك يــا سـاجــي المقـلة 

قتلت  يحيى  بطــــــرف أحـوم /  من كثـرة الطَّلْـع والنزلة

أربع قُبَـل هاتهــــــــــا ، واسلَم /  بـادِرْ بهـا سـاعة الغفلة

وان زدتنـــي واحــدة فـــي الفم /  تحسب لكم عنـدنا جملة

ــــ " أنا أم زيد"، صاحت اليافعية:

        جوَّب علي:حـرام الدم /   ما نلت من عندنا خصْلَة

          ولا تعَــــدّيت لــي معقم /  ما يدخـل الدار غير اهله

إنّ روح أبي معجب بديعة في تمردها، حلوة وطرية ومرحة. ترى أسنان صاحبها فتبتسم فرحاً ، فلا جفاف ولا عبوس __ ياليت في أدباء اليمن من يدلنا على (ملكم) هذه وله منّا البشارة. لكن لم يكن للكوكباني الصتعاني تمّرد اليافعي، وإن كانت له مثل شجاعته : 1صنعاء القديمة

لقيت في المسقى قدا المحلّه / في مـورد المـاء لـي لَقِي

فقلت  له  عِرْني  سُقــــــــاك لله / إنـي ظـويمي شاستقـي

رمــى  السُّقا لـي وَرَنا  بنظرة / بالمـوت صارمهـا سُـقي

وقــال  لا  تحبِس  فشــــــانزلّه / زلًّ الرفـاق ما حّـد بقي

لجأ الكوكباني الى المواربة والمواراة والاحتماء بسر المفردة المكنون خوفاً على رأسه ، وانصياعاً للعرف السائد والعقل المحيط. ومكنته مقدرته اللغوية من التملّص. وإلى جانب هذا المظهر الاجتماعي لـ( تأسليّة ) مبررة ، نجد مظهرها الفني الآخر متجسداً عند كلا الشاعرين ؛ وذلك في اتباع أسلوب الحوار بين الشاعر وصاحبته ، وجنوح الحوار الى لغة خطابية مباشرة لتشخيص الانفعالات الجسدية التي يشعر بها العاشقان ، وتفكير كلّ منهما تبعاً لجنسه. وإذا كان مردُّ انغماس الشاعرين في هذه الردة الوراثية (باجترار تصرفات السلف الشاعر) الى العقلية المحيطة، وهو أمر مبررغير مبرور ، فإن النصين يكشفان عن موقف متقدم للمرأة مقارنة بالنصوص السابقة عليهما حكمية وعامية، جاهلية وأموية، حيث لا تقف المرأة صامتةً حيال ما تسمع من تشبيب أو ترغيب من عاشقها ، وإن أظهرت مثل ذلك الحياء المتعارف عليه عند أختها الأموية صاحبة العَرْجي ، كما لا تبدي دعارةً كصاحبة أبن أبي ربيعة التي أمّرته على نفسها وأعطته حاجته ، بل هي تصرّح برغبتها للوصال الحلال: "ما شا تجيني شي حرام".

أطلق الهيمان لزلته العنان ، ورمى شباكه مؤَمِّلاً في صيدٍ ثمين ، ولكن الغزالة هزَّت له جسمها في استثارة تهديدية:

        فهزَّ عَسَّال القوام / وقال ما شا ذا الكلام / ما شاتجيني شي حرام

حاولت بنت المحلة الانتفاض على السجن الكوكباني ولسان حالها يقول متى كان إجتراح فعل الشيطان من الإيمان .. وأطلقت تحذيراً ثانِ:

        فقال طال حبسك وطال مزاحكْ  /  وانا معك ما شا المِزاح

        إنْ كــان معانا شا يكون رواحكْ /  رَوِّحْ فــذا وقت المرَاحْ

عزَّ على العاشق أن يعود بسلته فارغة ، فأعاد الكرّة :

        فقلت أنا أول شالتَزِم وِشَاحكْ / وارشف طلا كاسه أقاحْ

قلَّ الشاعر حياه ، وجاوز حدود المزاح، فانتبهت "هند" المحلة واستلبت بسلاح الأعراب الأثير:"من ذَنَبه خناقه" ؛ فشدَّت حول عنقه الخناق ، وكاد أن يفطس:

      قال لي معكْ في ذا الكلام عِلَّه  /  كنت احسبكْ صالِحْ تَقي!

       فقلت واظامي الوشاح /  تحْسِبْ قلوب اهل الصلاحْ / ما تعَشقْ الغيد الملاح

إنّ الكوكباني كابن اللحجية إمام الهوى المتبوع إثني عشر قرناً ، عارف لدينه يستثمره حين يضطر. أما رأيت كيف دعا اليافعي لصاحبته بالسُّقيا:"الله يسقيك من زمزم / شربه هني ما بها نهله". إنَّ الكوكباني كأستاذه عمر حجّة في الأدب وحجة في لغة العرب ، وكلاهما صيّاد ماهر. سأل المخزومي (هند) من أنت فأجابته:

        نحنُ أهل الخيف من أهلِ مِنىً /  ما  لِمقتــول  قتلناه  قَــوَد

        قلتُ: أهـــــــــــلاً  أنتمُ  بُغيتنـا /  فتَسَمّينَ ، فقالت: أنا هند

فأجابها الأستاذ الخبير:  إنمـا أهلك جيـرانٌ لنا  /  إنَّما نحنُ وهم شيءٌ أَحَد

وسأل الكوكباني بنت المحلَّة بمثل سؤال المعلم . ويكاد يقع الحافر على الحافر ؛ فمعاني عمر في الغزل وطريقته القصصية قد سرى أثرها في كلّ الغَزِلين حتى الساعة. قال الصنعاني:

      فقلت  بالأوجــــان  ذي  النديّة / أيـــن مسكنك وانت لِمَن ؟

        قال نسبتي في الحُسن يوسفية / وارض الـمحرّقْ لي وَطَنْ

        فقلت شــــربه  من  يديك  هنيّة /  وأمَلِّكـَكْ  روحــي  ثمَـن

        وشاخدِمَك  وآتيْ حِمَــــاكْ  أحِلَّه / مَن حـل  فيكــم ما شقيصورة متخيلة للشاعر يحي عمر اليافعي بريشة عبدالقادر السعدي

وأخالك مثلي ترى في جواب عمر "إنما نحن وهم شيءٌ أحد" ذات معنى الصنعاني"من حلَّ فيكم ما شقي". والمعشوقتان تلتقيان في تقبّلهما للمزاح ، ولديهما لباقة وحُسن منطق رغم اختلافهما في المكانة الاجتماعية وفي العصر.كانت (هند) أرستوقراطية متعلمة ،  وأما "المحلية" فريفيّة أميّة ، وإبنة مجتمع زِمِّيت. كما تلتقيان في إبتغائهما للعشق الحلال وإن اختلفت طريقة كل منهما في طلبه. انتهجت هند سبيل الشيطان "فرَزَعَت" بعُمَر وسحَّرت له بعد أن سحرته ، أما المحلية فلم تكن لها كياسة (هند) فاكتفت بالرواح. أوجعت الكوكبانية عاشقها فأتبع توشيحه بتقفيل يؤكد حلالية العشق لأهل التقى والصلاح وأنهم أكثر من غيرهم إحساساً به وتقديراً له :

      كم من تقي يازِينة الأشِلَّةْ / ويـا سَحــــور المنطـقِ

        يطيش عقله ويعيش مُوَلَّه / حين تنطقي أو ترمقي

لقد استحال اللهو عند الشاعر إلى جدِّ الجَد ، وانحشر في زاوية التقليدية الوصفية الجسمانية. ذهب يفصِّل مفاتن المعشوقة في نغميّة عالية الترديد تقطر لوعة وتوسُّلاً ، ساكباً ما كان قد أُسقِيه من ماء عرَقاً مُرَّاً ، ودمعاً جامداً ينعي الرجولة المجروحة ؛ لِنشهد بذلك تأسليّة شعرية أخرى تبدّى مظهرها الاجتماعي في إكبار الرجل الشرقي للمحصنات وكرهه للمبتذلات. غدا اللهو عشقاً صادقاً ، وانسحب العاشق على ذيل الحكمة الأحوصية : " أحبُّ شيءٍ إلى الإنسان ما مُنعا " . إرتدع ، وأُجبِرَ على الإذعان مبتهِلاً إلى الله أن يلاقيه بمعشوقته بالحلال المُباح:

      عِتقي التزامكْ في العناق / وأحلْ طوقك والنطاق / والثم فمك حالي المذاق
        واشتم ماورد الخَفَر بقبلة / من وجنتيك حين تَعرقي
        ونلتقي داخلْ خِبا وكِلَّه / قريب علـى الله نلتقي

إن للهوى أثر قاتل، وله شروط وقوانين عجيبة ، ولأهل الهوى سقطات وفلتات غريبة ؛ ويصدق في الفقيه الصنعاني قول العبدلي:       عسف حكمْ الهوى كم مِن مُعَمّم / وعكَّرْ بالأطبـاء من حَنَابه

إن هوى الشعراء لا يشبه هوى الناس. الشعراء هم تُبَّاع الغرام وأتباعه ، وهم تُبّاع الجمال أيان رأوه أو سمعوا به. يلتمسونه إسكاتاً لرغبة متأجِّجة ، أو إرضاء لغرور الذكورة ، أو كيداً لمنافسٍ أو حسود. إذا عدِم الشاعر الحبَّ كلَّه تاه في وديان الهيام والجنون ، وإن خسر بعضاً منه عزَّى النفس بالقول:( إنِّي امرؤٌ مولَعٌ بالحُسنِ أتبعهُ / لا حظَّ لي فيه إلاّ لَذَّة النَّظَرِ) والقول"باشوف بالعين ما باشُلْ شي في ثَباني" هو حيلة الشاعر للإيقاع بالفريسة. ومتى أُعْطِيَ الشاعر مُناه استحال معه الهوى عادة ، وركَّ شعره ؛ إذ لا يخلق الشعر الصافي إلاّ الكبت والحرمان. تمنى المجنون أن يكون "عبد عبدٍ لعبدكم" ، وتنازل القومندان عن السموّ العبدلي " با شُلَّك على عاتقي" وارتضى الكوكباني " خدي لأقدامك يقي" ، أما الشاعر اللحجي[1] فقد تنازعته رغبتان : الانصياع لنداء حجّالات المعشوقة المُقشقشة ، أو التخلي عنها انصياعاً للعرف السائد ؛ قال: 

      ألا  شفته  نشَر  يلعب بحجله /  وانـــــا  كلـّي  أُذونْ

        وقلـبي قـــال لي :  بالله شـلّه /  وأيش ذي بــا يكون

        رجع قلبي يقول لي : بس خَلّه / وانا هـــوني يهـون

أنظر كيف انتقل الشاعر من حاسة النظر إلى محبوبته وهي تمشي ممتلئة شباباً وحيوية في البيت الأول ، إلى حاسة السمع حيث غطَّت جلجلة خلاخيلها المكان ، جامعاً بين الحاستين في وحدة التأثير النفسي. وإذا كان الشعر الرمزي في تعريفه هو" نوع من الشعر يعبّر عن الحلولية التي توحِّد شتى العواطف في النفس البشرية ، كما أنها توحّد بين المشاهد الخارجية والأحوال النفسية " فإنَّ في شعر العاشق اللحجي أهم شروط الرمزية . لقد اتّحدت كل حواس الشاعر في حاسة واحدة فذهب يسمع بعينيه وبأذنيه وبباقي الحواس.

افتقر العاشق اللحجي لشجاعة الشيخ الصنعاني . تذلّل الأخير وانذل، وفرش في حلبة الغرام خده بساطاً يدوس عليه المحبوب ، ولم يأبه للفارق العلمي والاجتماعي :

        شافرِشْ خُديدي لك بكلِّ رملَه /  خــدّي لِأقدامكْ يقي

أما الشاعر اللحجي فقد بقي أسير العرف والتقليد يشكو عجزه عن تجاوز السائد ويندب حظه العاثر؛ ذائباً في نهر الغرام قلبه، ومذوباً عينيه في بحرٍ من الحلفان: 

         وهو يحلف وانا احلف زيد والله / يبأ يجيب لي الجنون

ينهض قسم الشاعر على إقامة الحجة على صدق محبته ، وتستوفي يمينه شروطها الشرعية صيغةً ونِيّة : "والله" ؛ فانعقدت اليمين وصار الحالف ملزماً بالأثر القانوني المترتب على حلفانه ، فلا تظنها يميناً غموساً كالتي لأبي زيد السروجي في مقامات الحريري. ولكن شتّان ما بين يمين العاشق ويمين معشوقته. فإن تناغمت الأيمان الصوادق مع الحلف بما يجلّه الحالف فقد كان قسم الشاعر صريحاً في صيغته، أما قسم معشوقته فلم يخرج عن الحلف بـ"عمر بن علي أو سفيان" – على عادة نساء لحج في حِلفهنَّ ، وهو يدور مع الكناية في موقع التأكيد لا القسم ؟!- إنه الفارق الطبقي.

ولكم كان الحالف في خبره صادقاً ، وفي عشقه جِدّياً ، ولكن فم (الكامل) محكم الربط ، والشاعر أضعف من أن يمزقه ؛ فأطلق النواح والعويل، ولطم على الخد وقرع على الصدر كالعجاوز البائسات ، وأسفح الدمع هتّان :

        ألا كلّـــين خِلّــه عـــــاش ظلّه /  وانا كم بـــــــي شجون

        ويــا قلبـــــي شربت الحب كله /  وذوَّبـت  العيـــــــــون

        ولا تقـــول لي المحبه هي سهله / ومَـن حَـب ع شئون

        وبالهـــــــــون  الدواء من كل عِلّه / لذي هم  يعشقون

        ينوح ابن الهوى يا قلب رجله / يقضّ النــــــاس أُمون

حاول العاشق اللحجي الخروج من الكامل والتمرّد على موروث العرف العتيق فلم يستطع ، فما تزال به بقايا من وثنية غرامية ؛ يدلنا عليها هذا التوحيد للنغم الخارجي ( في الألفاظ والحروف المنبعث من آهات الهاءات في "الصدور"، والأنّات في نونات القافية في الأعجاز) مع النغم الداخلي الذي تزفره نفس ملتاعة حائرة منشَطِرَة بين العشق الراغب والعرف الرافض.

غاب الشاعر في فضاء النواح ، وذهب يسوق الحجج مبَرِّراً عجزه عن إعطاء القلب مناه ، فشغلنا وقضَّ مضاجعنا. وإذا كنا نشكره جزاء المحاولة ، فإنَّ تقديرنا له واجب لأن قصيدته قد كشفت لنا مبلغ توطّن العرف وتأصله في الوجدان العام ، وتمكّنه حتى من الشعراء العظام ، وهم قادة الفكر في بيئاتهم . ذلك أنَّ الشاعر في ختام قصيدته لايقطع ولا يقرر بل يشكو ويستنجد:

        وعنتر مـــــا يعيــــش إلاّ بعبلـه /  يكوــن بِنْ مَن يكون

        وكم مِن جِيدْ نسي أصله وفصله /  مع هــــــزّة جفـون

ففي قوله هذا نلمس اعتذار الشاعر ومحاولته نفض اللوم عن كاهله. وإذا كنا نقدر إقراره بأن الحياة لا تستقيم بغير عنتر وعبلة معاً ، فإنا نعيب عليه كيف فاته ، وهو الشاعر الفحل ، أنه كان على عنتر التضحية لاستمالة عبلة. لقد حاول عنترة تحويل بصر عبلة عن بشاعة منظره إلى رجولته وكرم أخلاقه ، ومن أجل الفوز برضاها تجشم عنترة الحروب وخاض الوغى ، وتدحرجت تحت أقدام جواده جماجم الأعداء كالفراخ الجُثم ؛ فكان ذلك العبد – كما قال شيخ الأدباء : "خير نموذج للأحرار ، وقد تسامى فرفع نفسه ورفع الناس معه ".

في الحب يغيب العقل وتبقى للقلب السيطرة وفصل الخطاب ، فليس أمام الحب سيد ولا عبد. لم يكن لإبن هادي سبيت شجاعة الصنعاني ، ولا جرأة اليافعي الشاعر، ولاحتى شجاعة ذلك اللحجي العاشق:حكى لي أحدهم أنَّ لحجياً إشتهى يهودية وغازلها ، فعمدت اليهودية إلى ملّتها واتخذت منها سبباً لإبعاد العاشق المسلم عنها فقالت له:" أني يهـودية يا سيدي !" فأجابها الولهان: " آآه ، اليهودية التي في البيت"■

___________________________________
[1]  وجدت هذه الأغنية في مخطوطة كتاب ألفه الشاعر عبدالله هادي سبيت بعنوان: “ أحمد فضل القمندان: شاعر وفنان” (الصفحة 16 الحلقة الخامسة تحت عنوان فرعي: من ألحان السابقين"). وقدمها كمثال على لحن إيقاع المركّح في الغناء اللحجي. والظاهر أن سبيت قد بناها على نفس لحن القمندان: “ لقيت مضنون”.

  نشرت بجريدة (الثقافية) العدد (145) في 6 يونيو 2002

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

imageأغنية ( لقيت مضنون ) كلمات: عبدالله هادي سبيت ، لحن : تراث ،  غناء: عبود الزين

4‏/10‏/2010

رضوان محلتي .. قفاك وازين مِكْرَد

رضوان محلتي  المحلتي عريق في الشعر خلفاً عن سلف كالنعمان الأنصاري ، حامل قميص عثمان إلى معاوية، فجده وأبوه وعمه واخوانه كلهم شعراء، والرضوان له خطرات الشاعر التي لا يتشابه فيها إلا مع الشعر. 

حين تمر بميدان الغرام تسمع صوت رضوان محلتي صارخاً فهو "يراخص مرخص" ـ بحسب تعبير أهلنا في لحج. إنه يعطي جلّ همه للائم والعاتب والعذول ، ولا نحصل في قصيدته على شيْ يدلنا على مبلغ أثر الهوى على الشاعر ولا مقدار تأثر المحبوب:

ذولا يبوا كل حاجة خيّـرة تحرق

أما أنا وسط صدري قلب أخضر دق

مادام فيني ( فَنَق ) بعشق وبعشق وبعشق

والجميل في هذا القول هذه المفردات المدقعة في العامية اللحجية " ذولا" أي "هؤلاء"، و"يبوا" أي "يبغوا"يريدوا؛ وتعبير "القلب الأخضر" وهو تعبير لحجي شائع للكناية عن القلب الفتي العاشق المولّع، وتحمل لفظة "فنق" معنى شدة الولع، وقد رأى أستاذنا الظفاري في هذه المفردة ترجمة دقيقة للإنكليزية: Interest . وجميل أيضاً هذا التحدي لعبور بحر الغرام. ومأخذي على هذا المقطع قوله: "كل ممزق" وكانت "شر ممزق" المأثورة أقوى منها وأسلم، وفيها طباق مع "خيّرة" ـ ولا أدري لماذا أضيق أنا من قافية القاف رغم جمالها هنا.  

رضوان محترف غرام ، وهو قرِم دائماً إلى اللحم ، والحبيب زين وحسين وغالي في عيون الشاعر مادام في خانة نعم ، وإذا خرج عنها فلا يكتفي رضوان بطرده من جنته بل يشهِّر به ويخاصمه خصام اللئام:  

لـو لي قصد منّك والله لاسحبك / ونـا (بو محمد)  بعصـــدها عصيدمقالة رضوان بغلاف الثقافية
لكن في الحقيقة قلـبي ودعـك / واصبح حصن شامخ وأبوابه حديد

حسنك راح منك أيش باقي معك / ما تنفع بعـانه وا عــودي اللكيد

على وزن (سُبَيت) يصبّر المحلتي النفس، وعلى شرع العبدلي يقوم بمظاهرة المحبوب في الفرح وفي الحزن، ويسير على ذات الدرب التي عبدها القومندان لأهل الغرام بقوله: (لأنته تبأ الزين يسلى لك / كُنْ فارق الناس وانذق/ وارضَ معه دوب واحنق)؛ يقول رضوان:

حتى لو حبيبي ما يبـدي هواه / ما بنساه، عمري ما با قـول آه

درب الحب بمشيه حتى منتهاه / بفرح في سروره واحزن لو حزين

معنى الحب عند المحلتي رضوان رضوان :  مقالة رضوان بالثقافية

سكنت قلـبي حبيبي دونما استئذان * واصبح فؤادي مكان * لنار تشعل ، لبركان

شتّان بين المحبـة والجفـا شتان * بين السمو والهـوان * ياللي تقولـــون سيّان

الحب غذا للمشاعر يعمر الوجدان * يعطي المعـاني كيان* ويجعل المرء إنسان

كما في النظم صاحبنا عاشق عابث. هو غير صادق في حبه وغير مخلص، وهذا نظمه يفضحه:

اللي صار منّك ما بعده سماح / سبت اللي يحبك ، ترّكته وراح

راح الحــب كله أدراج الرياح / ياحسرة على الحب يا خلّي وآح

غالب شعر المحلتي في الغرام ، ونحن نقرأه كحكاية حال لا كعاطفة نشاركه فيها. ليس في شعره ألوان ولا صور بل كلام بسيط تفهمه النساء، وهو أشبه بالرسائل المنثورة منه بالشعر. فيه وصف لما يقوم به من دون إجهاد للخيال ولا إعمال للفكر، ولا التفات لكيفية الأداء. وهو عجول تراه أحياناً يحشر قصيدته بالأبيات حشراً ويعبأ أكبر كمية من الأبيات في (خرْج) واحد.. وفي بعض قصائد هذا الوهطي تجد شعراً حلواً كمشبّك قريته :

أنا صابر/ وراضي  بالجفـا منّك / إذا ماشي أمل

مع القامر/ تأمّل في القمر حسنك/ أفصّل لك حلل

ولو خاطر /خطر يحمل خبر عنّك / يكفّيني وَسَـل

وهذا الحب با ربيّه * وبا صونه وبا خبّيه

ولا با قول لك ارحم فؤادي فيه ما يكفيه

هذا المحلتي مصاب بحمى الحياة. في نظمه حسيّة ظاهرة، ونفس بشاري باهت. انحشر البصير في زقّ الجسد فتخيّل المرأة مادة استهلاكية فقال مستعطفاً عبدة:

نفّسي يا عبدُ عنا واعلمي /   أننا يا عبدُ من لحمٍ ودم

وانضغط صاحبنا حتى صار كقنينة الكولا فاستعان بذات القافية ، وقال متحايلاً:

يعيش الناس في دنيا ونا حالي عدم  / أفكر في سنين العمر همْ من بعد هم
وراجي للّقا دايم ، وقول الوصل ذا الحين

وحتى لو بعادك طال أنا قلبي نَسَم /  ومهما الأهل لاموني، ومهما الغير ذم

يسمّوني أنا المجنون ، هم اللي هم مجانين

وهو حلو اللسان يتقن مخاطبة الحبيبة ، وهو في ساعات الجد ديمقراطياً من الطراز الأول ؛ يفرش قلبه ويتجنب إغضاب المحبوب بل ويغرية ــ إن لم نقل يغويه ــ لمشاورة القلب لا العقل:

القلب والروح والمهجة ترحب بك * لكن ما بغضبك * براحتك شور قلبك

يذكرني هذا الاستعطاف التحريضي بقول عمر مخاطباً ليلى المُريّة:

ألا يا ليلَ إنّ شفاءَ نفسي / نوالُك إنْ بخلتِ فنوّلينا

توافي رضوان الحليلة خلسة ، وقد يحتال الهاجس ويتمكن من بلوغ رضوان فتنطق شفتاه شعراً فيه صور وموسيقى وإبداع:

أنت في حيـاتي ميـلاد الحياة / قلبي حين شافك كم صفّق وتاه

كم حوري رجم به قلبي ما يباه / غيـرك في حيـاتي ماشي لذْ لي

إنّ تصفيق أهل الغرام حقيقة أو مجازاً  هي عادة لحجية متوارثة؛ فتصفيق القلب هنا يذكرنا بصاحبة الأمير العبدلي (أبونا عبده) ـ رحمه الله ..

هذا (المحلتي الرابع) ربيب غرام ، وهو معاند كبير، ومشاغب ، وهو مِتباع للزين أيّان رآه أو سمع به :

كم ضيّـع الحب هذا من فتى معتد * شباب ماله عدد * لمّا أملهـم تبـدّد

لكن بعدك ، أنا والله ما بـرتد * رضِــوان ولاّ حَرَد * قفاك وازين مِكْرَد

الخلاصة: رضوان برهميّ ولكن ليس به نواسية ، لا أدبية ولا دينية. إيمانه متين على كثرة حورياته

ـــ نشرت بجريدة (الثقافية) العدد (363) في 23/11/2006

3‏/10‏/2010

عبدالرحمن ابراهيم .. الكتابة بلون الحُسْن

قراءة في ديوان " مزاج الهدهد "

جريدة (الثقافية) العدد (240) في 29/4/2004عبدالرحمن ابراهيم

قال الراوي: كان أهل الجاهلية يعتقدون أن الناس يُحشرون ركباناً على البلايا ، ومشاة إذا لم تعكس مطاياهم عند  قبورهم ؛ فهل خشي أهل الشعر الحر أن يحشروا مترجلين حتى عكسوا رقبة القصييدة وعقروا قوائمها ؟!

عبدالرحمن ابراهيم شاعر حديث ، وشاعر الحديث لم يعد اليوم شاباً حدِثاً ، ولكنه ما يزال يملك حلماً ، يصحّ فيه قول الشاعر:

          وما الحداثة من حلمٍ بمانعةٍ  /  قد يوجد الحلم في الشبان والشيب

في ديوانه الأخير "مزاج الهدهد" شعر وحكي ، وفيه "فرّدانية" وجدانية ، وهمس وصراخ معاً. وفي الديوان تفتيت لإطار الخليل ، وتجريب للبتر والفراغات ومزاوجة للقصيدتين العمودية وقصيدة التفعيلة ، وفيه تجريب حتى للقصيدة البصرية. المقابلة بالثقافية

في الديوان الحالة غير منظمة والفكرة تهرب من الفكرة وتناقض الحدس أحياناً في القصيدة الواحدة مما يكشف حال الشاعر المبعثرة  ونفسيته المضطربة. تدخل ديوان عبدالرحمن من بابه فتجد نفسك مترنحاً في مناف ، وتمرُّ بشجن القصيدة أو يمرّ بك الساخطون على نهديها فإذا أنت مهتدٍ بالضلال حيث ينكرك البحر أو تنكره ؛ وتصل محراب الديوان فتلقى الطفولة قطة شمطاء ، ويمنحك الهدهد بعضاً من هدىً وهديل.

في حضور الهدهد يتذكر الشاعر خرافة رغبته ، يتذكر زوجه التي تغرس خنجر الأمل في صحوته الخرافية وتعينه على هبوط نسبة السكر في دمه المقهور؛ ويبلغ الضلال مرهقاً فيعلن:

         يمجدني ــ حين يمش السراب 

         إلى خطوة من ضلالي ــ

         ابتسام الهدى والهدى غيض

         حلم يراه عمائي

         أنشروني سجوداً على قبلة للهدى

في " نبيذ المنافي" ترجيع لمهيار الأدونيسي ، وإذا لم تكن هناك من صلة ما بين الدمشقي والديلمي عند الأستاذ ، فإن ما بين مهيار وابراهيم صلة دم وماء ونار صاخبة ذاب فيها مهيار في صخور اعتراف الشاعر وقاسَمَهُ نبيذ المنافي: غلاف الأعمال الكاملة ع ابراهيم

         لم يعد بعضي غير نزف

         في صحارى الذبول

         لم يعد بعض بعضي غير جمر

         في رجاء شتائي

         ليس لي غير التراجيع تسيّج

         ذاكرتي الغافلة.

يهبع ابراهيم وراء(إسبر) مقلداً " اغاني مهيار الدمشقي" ، وإذا كان أدونيس في هذا الديوان قد تجاوز المقاييس المعروفة فأرانا بطل مجموعته جباراً يغسل أقدامه في البحر ويطاول حدود اللانهاية ، وثائراً يهدم ويبني ، فإنا نرى ابراهيم في "مزاج الهدهد" صاحب رسالة أيضاً ــ على ما بين لغة الشاعرين من مراح. يحاول ابراهيم أن يتجاوز المقاييس هو الآخر ويجرّب ويمارس الأستاذية كما قال استاذه فيه ، ولكن بمزاج هدهدي كثيراً ما يجرح القصيدة. نجد الشاعر وجعاً مشيّداً في منافي النبيذ. نجد ابراهيم البطل المقهور/المضروب/المسروق بيته و"قاتة حلمه"/المذبوح حسداً على مقعد الأكاديمية/ المُقـاد عنوةً إلى ملح الجفاف ..

         واحداً صرتُ

         أسقط في بئر ذعري

         حولي الموت يصلّي

         المراثي خبرتي والأنين 

          ضيائي

نزلوا عليه من علٍ، ووقفوا ندّاً واحداً كوقفة سيل الوادي في طريق العابرين فاحتمى بالمزمور الأدونيسي وفيه الكثير من المفاجآت:

         وقعُ قلبي مزامير تبكي 

         هل أسير إلى حقل رؤاي؟

         هل أهاجر كي تستبقني

          لعنة

         مندحرة؟

إن الشعر الغنيّ هو ذاك الذي يتضمن نوعاً من المفاجأة ، وكما في مهيار تمثيل لشيءٍ من قلق العصر والمصير والحرية ، نجد في مهيارنا العدني تصعيداً للألم إلى داخل قلب الشاعر والقارئ فيغتمّ كلاهما، وكأنما هو عقاب للنفس. هوذا ابراهيم يصل إلى تخوم وجع نكسة نفسية حادة فنلمس جلال الوجدان الشعري حيث الكلمة تولد جديدة، وحيث الصور تتناسل بكسوة أنيقة ، وحيث البساطة تغدو دثاراً وإطاراً بديعاً ، يزيده روعة هذا التوزيع العذب للأبيات الذي يعبر عن صراخ عال وتقطع للنفس حال النشيج:

         نصف مهيار دائي

         ونصف

         دوائي

         وصداقاتي الذائبة

         نصف مهيار رفيقي

         حزب يومي ،

         غدي

         آه كم دثرتني المنافي!!

         آه كم مزقتني خطوط

         ندائي!!

شأن غيره من شعراء جيله ، يلعب إبراهيم بالتفعيلة وكثيراً ما يفلح في توظيف الموسيقى لخدمة المعنى ، أو إخضاع رقبة القافية لحمل معانيه اللاهبة.. وشاعرنا نزّاع إلى اشتقاق مفردات جديدة: ينحت من الأسماء أفعالاً ولا يعتـدى على الجوامد، مثال:" يستنبذ الإعصار قطر شفاعتي"، " تتعنكب الموجات فوق هواجسي"، " هبطت هام المتماردين إلى قاع الوهم"، " تعتاش به سرائرهم" ، "صرير السجائر" ن ومع ما في هذه الصور من غرابة رمزية لذيذة إلا أن الإعصار لا يثستنبذ ولا الموجات تتعنكب ، ودعيُّ التمرد لا يطللق عليه متمارداً ففي ذلك نبوّ عن الذوق وتسطيح للمعنى ، وأما تعتاش فلا تعني غير العشي وهو ضعف البصر والصحيح تعيش وتتعيش، وأما الصرير فلا تصلح إلا للحشرات وفي السرير.

ولما كانت التجربة الشعرية تكون شكلها بذاتها ، ومن طبيعتها يتولد التعبير ن فإنا نلتقي في " منافـي النبيـذ " شاعراً " مُستنبذاً " مهزوماً ضالاً، لا يحسن توقيع خطواته ، تنازعته الفيافي والمنافي ، وتداولته الأوزان حتى لا تجده على بحر:

         في منافٍ ومنافي

         شيدوا وجعي

         ليس لي غير صمتي

         ليس لي غير لمع الظلام

         شاحبات دموع شمعي

         كلما قطرة من شعاع داهمتني

         تموتُ بوارق أبهى

إن الشاعر رسام يراعي حسن الجوار بين ألفاظه وانسجامها فهي الوانه ، ويحسن توقيع موسيقاه فهي الظل والنور في لوحته ، فلماذا لم يُجْرِها على " فاعلن فاعلاتن"؟ نعم لقد بلغ الشاعر في هذه القصيدة حدود التعب القصوى. يشي النص كم صاحبي ثقيلاً لساناً وجرْساً وفكرة ، خلت روحه من التطريب، وما أجمل الحزن الطروب؛ وعاف وجدانه التوقيع على الزمن ، إذ هو لا يشعر به.

ويجرب ابراهيم البتر لإبراز الحيرة والتردد النفسي والصراع الداخلي كما في قوله:

         هل تشرب اللحظات

         طازجة

         أم اللحظات تشـ...؟

ولا احسب تكملتها "تشرب نفسها".. ويستعمل الصمت لا لإتمام التفعيلة بل لكي تمنحه التقاط فرصة للتأوه والتحرر من بعض الضغط على اعصابه ، وتهبه فرصة للتذكر ، ولإذابة التفاصيل:

         دخلوا في عناق داكن

         دخلوا في شجار باسق

         دخلوا في انبهار عقيم

         دخلوا في .....

         دخلوا في ....

في القصيدة العمودية لا يكون المكتوم جزءاً من القصيدة ، وإذا أراد الشاعر أن يكثف معنى تجنب الحذف وصاغ تعبيره صياغة محكمة واجتنب الحشو ، أما في الشعر الحر فيستعين الشاعر بالفراغات والنقاط للتغلب على ذلك. إن الفراغات والنقاط تحول القصيدة من مسموعة إلى مرئية وهذا تكليف للشعر غير محمود ، وإنما تكون جميلة إذا ما جاءت تفسيراً لقول الضفدع في فمي ماء.

ومن تجاريب ابراهيم الموفقة المزاوجة بين الحر والعمودي حيث يتم الانتقال من الصحوة الهازلة إلى اللحظة الراهنة عبر مخافة بديعة فيها للصورة طعم لذيذ وللطباق لون حسن ، وكان لابد من فراغ ونقاط كرابطة منطقية بين صورة الذكرى والحاضر المر:

         تتدحرج غفوة أنثى

         تسحبني؟

         إلى أين؟

         إلى صحوةٍ هازلة

         دواءٌ أصبح القهرُ / فلا نهـدٌ  ولا سُكْــرُ

         يباباً صارتِ الدنيا / ومنفىً أصبح البحرُ

في قصيدة " القطة" أراد الشاعر أن يكون (Independent) قلباً ويدا ، ولكن القلب شرقيّ والنفَس ؛ تتدفق موسيقى القصيدة كسيل الوادي الذي لا يقطعه قاطع ، والتدفق الموسيقي من سمات الشعر الحر ، ولكن الشاعر يمزقها ليضيف إلى قبح الرمز قبحاً آخر:

         القطة الشمطاء زافرة

         ومواؤها في لجة العصر احترق

         القطة الشمطاء يائسة

         صارت شعوباً من ورق

         وا غربتاه!!

         يا هدهدي

         يا للحمق!!

يحمل هذا النداء نفساً عامياً عميق الشجو ويذكرني بعبدالله سلام ناجي وراعيته.

عندما أنثر قصيدة جاري أجد نثراً أشهى من الشعر ، وما وجدته شاعراً إلا في عموده الذي يستحي به أمام القراء حيث يضع قصيدة " هدى الهدى " في آخر الديوان لتكون طين الديوان لا مسكه ــ بحسب ترجمة شعوره. في عمود عبدالرحمن ابراهيم شعر خالص ، أحلى وأغلى من عقد خالصة الضائع ، وفي " حُرّه " كثير نظم وصناعة ، ومردّ ذلك إلى انه قد عاش التجربة في هدى صادقة عميقة فانسكب انسكاباً:

          قـد هـــداني الهــدى للجمــال

         عن ضلالي فانزال عني الحجاب

         الهــدى وحـدها هديــلٌ جميـلٌ

         وحيــــاتي بــلا هديـــل خـــرابُ

         والأماني أنت الأماني العذارى

         والأغـــاني أنت الأغاني العِذابُ

أنظر كيف يتنكر الشاعر لقصيدة العمود ، ويستحي ان يرصها صدراً فعجزاً متقابلين ، بل هو إمعاناً في الهروب يجعل لها هيئة عصرية. لِمَ المكابرة؟ ‘ن هذه القصيدة هي وحدها عنوان ديوان عبدالرحمن ابراهيم ، وفيها وحدها بلغ حدود الشعر؛ والتجربة والمعاناة والحرمان تنتج شعراً رائعاً ، فلا حرم الله شاعرنا من الحرمان.

الديوان وجه البيت وعنوان سكانه ، لذلك وجدتنا نفرشه بالجوادر والوسائد من العطب المندوف ، ونبالغ في تزيينه وتبخيره بالبخور اللحجي الذي يطرد الجان ويجلب الدان ، كل ذلك لنفرح ضيفنا فيحس بمقدار فرحتنا بزيارته ، ونحن مزارعون يا صاحبي وخير بضاعتنا على وجه السحّارة.

الشعر عود أوتاره ألفاظه ، يدوزنها الشاعر لتخرج اللحن الذي يود ، والشاعر عازف ملهَم ، وفتّاح آفاق جدد. يلقي الشاعر بهاجسه في وديان المدى فتفيض نوراً ونغماً خالداً.

الشعر جميل في أي شكل جاء ، وعلى أي مقام جرى. أجرى العربي الأول بيت شعره على هيئة مربعته، وإذا جاوزه فإلى (الدكة) ، وما غادر (المردم)، ثم فتحت الهجرة الأندلسية الأولى مجاري هواء جديدة أنعشت الروح حين حلّ العربي دار الموشح ذي الخرجات والشرفات المتنوعة المحاطة بالأغصان والعناقيد والكروم كصنعاه. ثمّ فتح المهجريون آفاقاً رحبة وجددوا وتجددوا ، وصارت لنا في الشعر مدارس واتجاهات.

ليس من شروط الشعر أن يأتي في حلّة النابغة الجعدي إذا استلب ، أو الأمير القيسي إذا شرب ، ولا في هيئة الفرزدق متى غضب. ولا أن يطل علينا في أهاب شكسبير ولا إليوت ولا بودلير ؛ لا اعتبار للشكل إلا بمقدار خدمته للمعنى. لكل عصر لبوسه وبنيانه ، وليس اكره من أن يستجرّ الشاعر معاني القدماء وصورهم.

الشاعر محمد حسين هيثم جميل يبقى الشعر ما حوى النغمة الحالمة ، والمفردة النابضة ، والصورة الناطقة ؛ وعظيم يظل الشاعر ما قيّد الفكرة الشاردة ، وأذاب روحه في أقانيم الطبيعة واتحد ، ورأينا كلماته ــ كما عبرت الشاعرة الفرنسية مدام دي نواي ــ " تسير متشابكة متساندة هاتفة كأنها ذوات أفواه متفجرة كالينبوع المتدفق". بلى ، وللمبتدع ينبوع يستقي منه ، وله بصر ينفذ إلى القعر ، وما عشيت عين الهوى من عبدالرحمن ابراهيم بالنظر، فالماء جارٍ على ظهر الحبيل ، وإذا استعار بصر "الهدهد" فذلك لأنهم يزعمون أن الهدهد يرى مجاري الماء تحت أديم الأرض وهو طائر في الهواء. 

والخلاصة أن في أبي ‘إلزا" حسناً ن في شعوره وفي شعره ، وقديماً قال بشار أن لون الحُسن أحمر .. سلمت يد شوقي ، وعاش ذوق هيثم ■

ـــ  نشرت في جريدة (الثقافية) العدد (240) في 29/4/2004

أغنية ( وا على الحنا ) كلمات ولحن: الأمير أحمد فضل القمندان ، غناء: فضل محمد اللحجي

أغنية ( تذكر يا حياة الروح ) كلمات ولحن: عبدالله هادي سبيت ، غناء: عوض المسلمي


Upload MP3s using free MP3 hosting from Tindeck.