شريط

14‏/4‏/2014

الرَّكلة : حلفت ما اشرب من القَوْبَة

من شعر: عبيد محلتي والأمير عبدوه عبدالكريم، غناء: رمزي محمد حسين، وركلة على الشُّبابة

جمال السيهي ذي لحج في بداية القرن العشرين، قطرٌ غنيٌّ ذي زرعٍ وخيرٍ كثير، حفلت بألوان من البشر: يمانية وصومال وأفريقيين وأتراك، وبضروب من الأعمال كالفلاحة والحدادة والنجارة والإدارة.

هذا الوادي الأعظم يسيل بالحياة، فيسقي الزروع وأعنابها .. هنا البساتين: (الحسيني والعرائس) تفيض بالفاكهة والرياحين، وعلى عدوتي الوادي تصطفّ القرى مكللة "مألّلَـه" بالغلال وأصناف الخضار، والمزارعون إما يفلحون أو يحصدون، يستعينون بالرقص والغناء للتغلب على الإعياء:

                وامصيرب صرَب صَرَب * والحجور كرّدوا العرب

imageها هنا المطاعم والدكاكين، وأماكن للنجارين والحدادين .. المدرسة المحسنية وحلقات الدرس في المسجد الجامع .. وهناك الصبابيح يهزجون ويركلون ..

دورٌ وقصور، وعزف وسرور، ورقص وبخور، رياضٍ وبساتين، وبيذان وجنظال وتين، ومجالس للطرب والقصف، وما تأنق اللحجي في الملبس ولا المطعم بل ظلّ الكدر والخمير والفطير زاده المقدس الذي لا يحيد عنه ولا يستبدله، إنه سرّ العربي الأول الذي يفضل اللذات على الثروة، لا ينزل عن قيافته، فإن كان استغنى عن الجنبية، فقد أبقى على الكوفية والعمامة والأفود..

سلام اللحجي خير وفاكهة وخضرة : " من الحسيني الذي نتخيّره" .. وهديته للأحباب "مخاوي والهريس ألوان" ـ على حد تعبير أبي لشهل. ماؤه مكبي، ومشجبه عامر، ومجامره لا تنطفي.

image

رقصة الركلةالرَّكْلَة: واحدة من رقصات لحج ، وهي رقصة (أهل الشام) وهي تسمية تطلق على المناطق الساحلية لساحل الأحمر حتى باب المندب، وترقص الركلة بلدات الصبّيحة  والعقربي فلاحين وصيادين الساكنين في قرى: بئر أحمد وفُقُم وعمران والحِسْوَة والخيسة والبريقة وصيرة .. وحتى بئر حيدرة والوهط. الركلة رقصة مشتركة يؤديها الرجال والنساء معاً في صف أو دائرة يركل فيها الراقصون الأرض بأرجلهم؛ وهي صعبة تتطلب مران كثير وقوة عضلية. يتوسط الدائرة شاعر ويقول بيتاً أو بيتين يرددهما الراقصون على أنغام عازف الناي أو المزمار والطبول زمناً حتى يأتيهم شاعر آخر بقول آخر وهكذا. تؤدى رقصة الركلة في الليل وعلى رمال الصحراء أو على الساحل وتحت ضوء القمر.

ويعد عبيد محلتي صاحب (الوهط) عميد شعراء الركلة. وهو رجّاز لا يتعدى قوله البيتين. والرجز بحر يستطيبه بدو الصحراء لأنه يتفق وتوقيع الإبل في سيرها ، يرتجل القول تقويماً لأمرٍ مِعْوَجٍّ ، أو استنكاراً لتصرّفٍ مُشِين كقول شاعرهم مفتخراً:

هَرْجي عسل دوعاني  من عُلوبه / من مَخلقي وانا ما جرحت إنسانرمزي

ونورد مثالاً لإيقاع الركلة في هذا الأداء المميز للفنان رمزي محمد حسين من شعر عبيد محلتي:

حلفت والله ما اشرب من القوْبَه /  وانا معي على راسي قلص بلّور

فقم  وعمران  وساكني  الخيسة /  أهــل  الكرم  والعــز  والتقـدور

منظر من بلاد الصبيحة ــ لحج

الشيخ يحي محمد فضل العقربيوالبيت الثاني وجدته في قصيدة للأميرعبدالحميد عبدالكريم (عليهم نور) على النحو الآتي:

فقُم وعمـران وساكني الخيسة  /  أهل الشرف والناموس والتقدور

أهل السلا أهل الأنس والراحة  /  الهمّ والغمّ فــــي أرضهم مقبـور

 

ــــــــــــــــــــــ 

المفردات: هرجي: كلامي. عسل دوعني: كالعسل المُنتج من بلدة (دوعن) الحضرمية ويشتهر بجودته. من مَخْلقي: منذ خُلقت. القوبة: آنية مصنوعة من المَدَر تستخدم لشرب القهوة. قلص: كأس ؛(جالشاعر علي عبيد المحلتي2لاس ـ glass). فقم وعمران والخيسة: اسماء قرى في بلاد العقربي بعدن على ساحل الأحمر.

شاعر الدان: علي عبيد محلتي صاحب (الوهط) (1909 ــ 1972) من مواليد قرية (الوهط) لحج. هو من أسرة أهلها يقرضون الشعر رجالاً ونساء. والده عميد شعراء الدان والركلة في لحج. وهو رجّاز وشاعر دان كأبيه. شعره إجتماعي ينبض بالحكمة والمثل؛ فهو يرتجل القول تقويماً لأمرٍ مِعْوَجٍّ ، أو استنكاراً لتصرّفٍ مُشِين. من داناته المشهورة (سرى الليل وانايم على البحر).

الأمير  الشاعرعبدالحميد عبدالكريم بضيافتي الجمعة 9 أغسطس 1996الشاعر: الأمير عبدالحميد عبدالكريم العبدلي ( 1919 ــ 2006 ). شاعر غزلي وملحن مجيد. ولد بحوطة لحج. عمل وكيلاً للداخلية على عهد السلطنة العبدلية. عُرف ببساطته ومرحه وعنفوانه وعزّة نفسه. شعره غنائي يتميز بالرقة والتدفق والتلوين. من أشهر قصائده: (ليه يا زين ما شان)، (يا المحبين)، (سرى الهوى ركّب عَشيْ) و (دمّال) ومن ألحانه: لصالح فقيه (الدهر كله عمارة)، ولسبيت: (يا قلبي تصبّر) و (يحسب انه بعيد، مع فضل محمد) و(يا ابن الغرام). له ديوان شعره عنوانه ( طاب يا زين السمر) طبعتان تعز وبيروت. توفي في الحوطة في 27 سبتمبر 2006م/ 6 رمضان 1427هـ.

المطرب رمزي محمد حسينالمطرب: رمزي محمد حسين. من مواليد بلدة (الخيسة) محافظة عدن. احترف الغناء صغيراً وهو واحد من خريجي مدرسة الشيخ يحيى محمد فضل العقربي. لرمزي صوت حلو ، فيه شجو وتطريب، ويحفّ به عنفوان عجيب ، وفيه سلطنة و"جهورية" أندلسية تُذَكِّر بذاك الزمن العربي الجميل في الصقع الغربي الريّان. وفي صوت رمزي وضوح كبير ، ومدّ وامتداد مفرح حدّ أنك تسمع بوضوح حالي آخر حرف في البيت مهما كان طوله. لقد جمع في صوته بين البحر والرمل: إحساء الشعر وأوتاره ، ورمل البحر ومزماره ؛ وفي مقلوب (رمزي) ما يذكّر بالنشيد الأول.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

imageإيقاع رقصة الركلة على الناي (الشُّبّابة)

imageإيقاع رقصة الركلة من شعر عبيد محلتي والأمير عبدوه عبدالكريم ، أداء رمزي محمد حسين

الركلة من مهرجان القمندان ــ لحج